قالوا نريد أن نأكل منها أكلاً نتشرف به بين الناس، وليس مرادهم شهوة البطن، وتطمئن قلوبنا بانضمام علم المشاهدة إلى علم الاستدلال، أي : نعاين الآية ضرورة ومُشاهدة، فلا تعرض لنا الشكوك التي في الاستدلال، ونعلم أن قد صدقتنا علمًا ضروريًا لا يختلجه وهم ولا شك، ونكون عليها من الشاهدين أي : نشهد بها عند من لم يحضرها من الناس، أو من الشاهدين للعين، دون السامعين للخبر، وليس الخبر كالعيان، والحاصل : أنهم أرادوا الترقي إلى عين اليقين، دون الاكتفاء بعلم اليقين.
والوجه الثاني : ما في قولهم : هل يستطيع ربك من بشاعة التعبير، وسوء اللفظ، حتى اتهموا بالكفر من أجله، وقد تقدم تأويله، وأما سؤالهم المائدة، فقال بعض الصوفية : هي عبارة عن المعارف والأسرار الربانية التي هي قوت الأرواح السماوية، فقوت الأشباح الأرضية ما يخرج من الأرض من الأقوات الحسية، وقوت الأرواح السماوية ما ينزل من السماء من العلوم اللدنية والأسرار الربانية، ينزل على قلوب العارفين، ثم يبرز منها إلى قلوب عائلة المستمعين، ولما طلبوها قبل إبانها وقبل الاستعداد لها، قال لهم : اتقوا الله إن كنتم مؤمنين ، فلما ألحوا في السؤال، بيَّن الحق لهم أن إنزالها سهل على قدرته، لكن فيه خطر وسوء عاقبة، لأن الحقائق قد تضر بالمريد إذا لم يكمل أدبه واستعداده، فلما بينوا مرادهم من كمال الطمأنينة واليقين ؛ دعا الله ـ تعالى ـ فوعدهم بالإنزال مع دوام الإيمان وكما الإيقان، فمن كفر بها، ولم يعرف قدرها، عذب بعذاب لم يعذبه أحد من العالمين، وهو الطرد والبعد من ساحة حضرة رب العالمين. والله تعالى أعلم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي