كأن الحق سبحانه وتعالى يعطيهم الفرصة والعذر حتى لا يقولن واحد منهم : لم يبلغني عن رسولي شيء، وهناك فترة لم يأت فيها رسول، وها هو ذا رسول من الله يأتي حاملا لمنهج متكامل ومجيء الرسول يمنحهم ويعطيهم فرصة لتجديد ميثاق الإيمان وهم قد أخفوا من كتبهم بعض الأحكام مثل الرجم والربا، وقال بعض من بني إسرائيل في الربا ما ذكره القرآن عنهم :
ليس علينا في الأميين سبيل ( من الآية٧٥سورة آل عمران ).
أي أنهم أقروا الإقراض بالربا لمن هم على غير دينهم، ولكن لا ربا في تعاملهم مع أبناء دينهم، وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلم الشمل وأن يجمع أيديهم مع يده، لأنه نبي انتظروه ولهم في كتبهم البشارة به، وأن يقف الجمع المؤمن أمام موجة الإلحاد في الأرض حتى يسيطر نظام السماء على حركة الأرض لذلك قال الحق : " قد جاءكم من الله نور " ومعنى ذلك أن كتمانهم لبعض منهج الله قد صنع ظلمة في الكون ومادامت قد حدثت ظلمانية في الكون وخاصة ظلمانية القيم إذن فالكون صار في حاجة إلى من ينير له الطريق ونعرف أن النور هو ما نتبين به الأشياء.
وحين يعرض الحق لنا قضية النور الحسي يريد أن يأخذ بيدنا من النور الحسي إلى النور المعنوي فالنور الحسي يبدد ظلام الطريق حتى لا نصطدم بالأشياء أو نقع في هوة أو نكسر شيئا، لكن عندما يحمل الإنسان نورا فهو يمشي على بينة من أمره والنور الحسي يمنع تصادم الحركات في المخلوقات حتى لا تبدد الطاقة، فتبديد الطاقة يرهق الكون ولا يتم إنجاز ما.
إن الشمس في أثناء النهار تضيء الكون، ثم يأتي القمر من بعد الشمس ليلقي بعضا من الضوء وكذلك النجوم بمواقعها تهدي الناس في ظلمات البر والبحر وجعل الله هذه الكائنات من أجل ألا تتصادم الحركة المادية للموجودات، فإذا كان الله قد صنع نورا ماديا حتى لا يصطدم مخلوق بمخلوق، فهو القادر على ألا يترك القيم والمعاني والموازين بدون نور، لذلك خلق الحق نور القيم ليهدي الإنسان سواء السبيل فإذا كان الكافر أو الملحد يتساوى مع المؤمن في الاستفادة بالنور المادي لحماية الحركة المادية في الأرض، ولم نجد أحدا يقول : أنا في غير حاجة للانتفاع بالنور المادي، ونقول للكافرين والملاحدة : مادمتم قد انتفعتم بهذا النور فكان يجب أن تقولوا : إن لله نورا في القيم يجب أن نتبعه ويلخص المنهج هذا النور : ب " افعل ولا تفعل ".
فالمنهج إذن نور من الله ولنقرأ : الله نور السماوات والأرض ( من الآية٣٥سورة النور ).
إنه يأخذ بيدنا في الطريق بالنور المادي الذي يستفيد منه الكل، سواء من كان مؤمنا أو غير ذلك، ويضرب سبحانه لنا مثل النور.
مثل نوره كمشكاة فيها مصباح ( من الآية٣٥سورة النور ).
والمشكاة هي الطاقة التي توجد في الجدار وهي غير النافذة، إنها كوة في الجدار يوضع فيها المصباح الزيتي أو " الكيروسيني " وتوجد في المباني البدائية قبل أن يخترع الإنسان المصابيح الكهربائية والثريات، ولا تتجاوز مساحة الكوة ثلاثين سنتيمترا، وطولها أربعون سنتيمترا ولا يزيد عمقها على خمسة عشر سنتيمترا أما الحجرة فمساحتها تزيد أحيانا على ثلاثة أمتار في الطول والعرض والارتفاع.
ويتحدث الحق عن الكوة فقط ولا يتحدث عن الحجرة، وأي مصباح في الكوة قادر على إنارة الحجرة، ولننتبه إلى أن هذا المصباح غير عادي فهو مصباح في زجاجة ونعرف أن المصباح الذي في زجاجة هو من الارتقاءات الفكرية للبشر، فالمصابيح قديما كانت بدون زجاجة وكان يخرج منها ألسنة من السناج " الهباب " الذي يسود ما حولها، فالسناج أثر دخان السراج في الحائط وغيره، وقد ينطفئ المصباح لأن الهواء يهب من كل ناحية ثم وضع الإنسان حول شعلة المصباح زجاجة تحمي النار وتركز النور وتعكس الأشعة ويأخذ المصباح من الهواء من خلال الزجاجة على قدر احتياج الاشتعال.
كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة ( من الآية٣٥سورة النور ).
أي أن النور من هذا المصباح أشد قوة، لأن الزجاجة تعكس أشعة المصباح وتنشر الضوء في كل المكان والزجاجة التي يوجد فيها هذا المصباح ليست عادية :
الزجاجة كأنها كوكب دري ( من الآية٣٥سورة النور ).
والكوكب نفسه مضيء، وتكون الزجاجة كأنها هذا الكوكب الدري في ضيائه ولمعانه والمصباح يوقد من ماذا ؟ يوقد من شجرة مباركة زيتونة ( من الآية٣٥سورة النور ).
وهذا ارتقاء في إضاءة المصباح من زيت شجرة الزيتون، والشجرة غير عادية : لا شرقية ولا غربية ( من الآية٣٥سورة النور ).
فهي شجرة يتوافر لها أدق أنواع الاعتدال : نور على نور ( من الآية٣٥سورة النور ).
ذلك هو من قدرة الله في نور الكونيات المادية ولذلك فليس من المعقول أن يترك القيم والمعنويات بدون نور فكما اهتدى الإنسان في الماديات فينبغي أن يفطن إلى قدرة الحق في هداية المعنويات بدليل أن الله قال : يهدي الله لنوره من يشاء ( من الآية٣٥سورة النور ).
يهدي الله بنور القيم والمنهج والمعاني من يريد، وقد يهتدي الملحد بنور الشمس المادي إلى الماديات ولكن بصره أعمى عن رؤية نور المنهج والقيم، لذلك يوضح سبحانه أن هناك نورا إلهيا هو المنهج وضرب هذا المثل ليوضح المعاني الغيبية المعنوية بالمعاني الحسية ونحن على مقاديرنا نستضيء فالفقير أو البدائي يستضيء بمصباح غازي صغير، والذي في سعة من العيش قد يشتري مولدا كهربيا، وكل إنسان يستضيء بحسب قدرته ولكن عندما تشرق الشمس في المصباح ما الذي يحدث ؟
يطفئ الإنسان تلك المصابيح فالشمس هي نور أهداه الله لكل بني الإنسان، ولكل الكون كذلك إذا فكرنا بعقولنا فيما ينير حياتنا فكل منا يفكر بقدرة عقله، ولكن إذا ما نزل من عند الله نور فهو يغني عن كل نور آخر، وكما نفعل في الماديات نفعل في المعنويات.
نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس ( من الآية٣٥سورة النور )
والذي يدلنا على أن النور الثاني هو نور القيم الذي يكشف لنا بضوء " افعل ولا تفعل " أن الله قال بعد ذلك : في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه ( من الآية٣٦سورة النور ).
ولو بحثت عن متعلق الجار والمجرور لم تجده إلا في قوله( في بيوت أذن الله أن ترفع )كأن النور يأتي من مطالع الهدى في مساجده فهي بيوت الله نقبل عليها ليفيض منها نور الحق على الخلق.
في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال( ٣٦ )رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله .
وكلمة " لا تلهيهم تجارة " لا تعني تحريم التجارة، فالإنسان الصادق لا تلهيه التجارة عن ذكر الله وليكن الله على بال المؤمن دائما، فعندما يكون الإنسان على ذكر لله فالله يعطيه من مدده.
إذن يا أهل الكتاب قد جاءكم النور، وبين لكم الرسول كثيرا مما تختلفون فيه، وتسامح عن كثير من خطاياكم ويريد أن يجري معكم تصفية شاملة فعليكم أن تلتفتوا وتنتبهوا وتعدلوا من موقفكم من هذا الدين الجديد، ولتبحثوا ماذا يريد الله بهذا المنهج، والله قد ضرب المثل بالنور، وهذا النور يهدي إلى " افعل ولا تفعل " ومن الذي يقول لنا إن هذا النور قادم من الله ؟ إنه الرسول، ومن الذي يدلنا على أن الرسول صادق في البلاغ عن الله ؟ الذي يدل على صدقه هو قول الله :
{ يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا( ١٧٤ )( سورة النساء ).
فالذي جاء أولا من ربكم هو البرهان على أن رسول الله صادق في البلاغ عن الله، وليبلغنا أن الكتاب قد جاء بالمنهج والقرآن يتميز بأنه البرهان على صدق النبي وهو المنهج النوراني، لأن البرهان هو الحجة على صدق الرسول في البلاغ عن الله.
ونعرف البرهان في حياتنا التعليمية أثناء دراسة مادة الهندسة عندما نقابل تمرينا هندسيا فنأخذ المعطيات وبعد ذلك ننظر إلى المطلوب إثباته، ونعيد النظر في المعطيات لنأخذ منها قوة للبرهنة على إثبات المطلوب. وإن كانت المعطيات لا تعطي ذلك فإننا نتجه إلى خطوة أخرى هي العمل على إثبات المطلوب وهذا الكون فيه معطيات، وهو كون محكم ونلمس إحكامه فيما لا دخل لحركتنا فيه :
لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار ( من الآية٤٠سورة يس ).
كون موزون بالسماء والأرض وحركة الرياح وغير ذلك، وتلك الأمور التي لا دخل للإنسان فيها نجد القوانين فيها مستقيمة تمام الاستقامة وكمالها فإن أراد الإنسان أن يأخذ المعطيات من الكون، فليأخذ في اعتباره النظر إلى الأمور التي للإنسان دخل فيها ولسوف يجدها تتعرض للفساد، لأن الهوى في البشر له مدخل على هذه الأشياء لكن الخالق الأعلى لا تطوله ولا تتناوله أمور الهوى ولذلك يقول سبحانه :
والسماء رفعها ووضع الميزان( ٧ ) ( سورة الرحمن ).
فلا السماء تنطبق على الأرض، ولا كوكب يزاحم كوكبا آخر ويبين لنا الحق كيفية السير بنظام الكون :
{ ألا تطغوا في الميزان( ٨ )( سورة الرحمن ).
فإن أردتم أن تكون حركتكم منتظمة فانظروا إلى ما لأيديكم دخل فيه واصنعوه كصنع الله فيما ليس لأيديكم مدخل فيه.
وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان( ٩ ) ( سورة الرحمن ).
فإن كنتم معجبين باتزان الكون الأعلى فذلك لأنه مصنوع بنظام دقيق، وإذا كان الحق قد وضع لنا نظاما دقيقا هو المنهج ب " افعل كذا ولا تفعل كذا " فذلك حتى لا تفسد حركتك الاختيارية إن اتبعت المنهج وتصرفت في حياتك بمنهج الله ويكون الميزان معتدلا، إذن فقد أعطانا الحق معطيات عندما ينظر الإنسان فيها نظرا فطريا بدون هوى فإنها تأخذ بيده إلى الإيمان، وهذه الكائنات الموزونة لا بد لها من خالق، لأن الإنسان طرأ عليها ولم تأت هي من بعد خلق الإنسان ولا أحد من البشر يدعي أنه صنع لهذا الكون.
إذن لا بد من البحث عمن صنع هذا الكون الدقيق، والدعوى حين تسلم من الضعف، أتكون صادقة أم غير صادقة ؟ تكون صادقة تماما، والله هو الذي قال إنه خلق السماء والأرض والكون، ولم يأت مدع آخر يقول لنا : إنه الذي خلق إذن يثبت الأمر لله إلى أن يوجد مدع ومع توالي الأزمنة وتطاولها لم يدع ذلك أحد.
وكان لا بد أن تكون مهمة العقل البشري أن يفكر ويقدح الذهن ليتعرف على صانع هذا الكون، وكان لا بد أن يتوجه بالشكر لمن جاء ليحل له هذا اللغز.
وقد جاءت الرسل لتحل هذا اللغز ولتدلنا على مطلوب عقلي فطري، ولو أننا سلسلنا الوجود لوجدنا أن الإنسان هو سيد هذا الوجود، لأن كل الكائنات تعمل وتجهد في خدمته، وأجناس الوجود كما نعرفها التي تخدم الإنسان هي الحيوان ويتميز عنه الإنسان بالعقل، وهناك جنس تحت الحيوان هو النبات فيه النمو، وهناك جنس أدنى وهو الجماد وكل هذه الأجناس مهمتها خدمة الإنسان، والجماد ليس هو الشيء الجامد، بل الهواء جماد والشمس جماد والتربة جماد، وكل ذلك يمارس مهمته في الوجود لخدمة الأجناس الأعلى منها ويستفيد الإنسان منها جميعا والحيوان يستفيد من الجماد وكذلك النبات يستفيد من الجماد والحيوان يستفيد من النبات والجماد والمحصلة النهائية لخدمة الإنسان.
أليس من اللائق والواجب إذن أن يسأل الإنسان نفسه من الذي وهبه هذه المكانة ؟ فإذا جاء الرسول ليحل هذا اللغز ويبلغنا أن الذي خلق الكون هو الله وهذه صفاته، ويبلغنا أن هذا المنهج جاء من الل
تفسير الشعراوي
الشعراوي