ﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨ

قوله " فَطَوَّعَتْ " الجمهورُ على " طَوَّعَتْ " بتشديد الواو من غير ألف بمعنى " سَهلت وبعثت " أي : جَعَلْته سهلاً، تقديره : بعثت له نفسه أنَّ قتل أخيه طَوْعاً سهل عليه١.
قال الزَّمَخْشَرِي٢ :" وسَّعَتْه ويسَّرَتْه من طاعَ له المرْتَعُ إذ اتَّسع " انتهى.
وقال مجاهد : شجّعْتُه.
وقال قتادة : زيَّنْتُ له نفسه، والتَّضْعيف فيه للتَّعْدِية ؛ لأنَّ الأصل : طَاعَ له قَتْلُ أخيه، أي : انْقَادَ من الطَّواعِية، فعُدّي بالتَّضعيف، فصار الفاعلُ مَفْعُولاً كحاله مع الهَمْزَة.
وقرأ الحسن، وزَيْد بن علي وجماعة٣ كثيرة " فَطَاوعتْ "، وأبدى الزَّمَخْشَرِيُّ٤ فيها احتِمَالَيْن :
أحدهما : أن يكُون ممَّا جاء فيه " فَاعَلَ " لغير مُشاركة بين شَيْئيْن، بل بمعنى " فَعَّل " نحو : ضَاعَفْتُه وضَعَّفْته، وناعَمْتُهُ ونَعَّمْتُه، وهذان المثالان من أمثلة سِيبويه٥.
قال :" فجاءوا به على مثال عاقَبْتُه ".
قال : وقد تجيء :" فاعَلْتُ " لا تريدُ بها عمل اثْنَيْن، ولكنَّهم بَنَوْا عليه الفِعْل كما بَنَوْه على " أفْعَلْتُ "، وذكر أمْثِلَة منها :" عَافَاهُ اللَّه "، وقَلَّ مَنْ ذكر أن " فَاعَل " يجيءُ بمعنى " فعّلْتُ ".
والاحتمال الثاني : أن تكون على بَابِهَا من المُشَاركة، وهو أنَّ قَتْل أخيه كأنه دَعَا نَفْسَه إلى الإقْدَام عليه فَطَاوعته انتهى.
وإيضاحُ٦ العبارة في ذلك أنْ يُقَال : جعَل القَتْل يدعو إلى نفسه لأجل الحسد الذي لَحِقَ قَابِيل، وجعلت النَّفسُ تَأبى ذلك وتَشْمَئِزُّ منه، فكُلٌّ منهما - أعني القَتْلَ والنَّفْسَ - كأنه يريد من صاحِبِه أن يُطِيعَه إلى أن غَلَبَ القَتْلُ النَّفسَ فطاوعته، و " له " مُتعلِّق ب " طوَّعت " على القِرَاءتَيْن.
قال الزَّمَخْشَرِيُّ٧ : و " له " لزيادة الرَّبْط، كقولك : حَفِظْتُ لزيْد ماله. يعني أنَّ الكلام تامٌّ بِنَفْسه.
ولو قيل : فَطَوَّعَتْ نفسُه قَتْل أخيه، كما كان كَذَلك في قولك " حَفِظْتُ مالَ زَيْد " فأتى بهذه " اللاَّم " لقوة رَبْط الكلام.
قال أبو البقاء٨ : وقال قوم : طاوَعَتْ تتعدَّى بغير " لاَم "، وهذا خَطَأٌ ؛ لأنَّ التي تتعدى بغير اللاَّم تتعدى لِمَفْعُول واحد، وقد عَدَّاهُ هنا إلى قَتْلِ أخِيه.
وقيل : التَّقْدِير : طاوَعَتْه نفسه قَتْل أخيه، فزاد " اللاَّم " وحذف " عَلَى "، أي : زاد اللاَّم في المفعول به وهو " الهَاء "، وحذف [ " على " الجارَّة ل " قَتْل أخِيه " ].
قالت المُعْتَزِلَةُ٩ : لو كان خالق الكلِّ هو الله لكان ذلك التَّزيين والتَّطْويع مُضافاً إلى الله - تعالى - لا إلى النَّفْس.
والجواب : أنَّ الأفعال لما استَنَدَت إلى الدَّوَاعي، وكان فاعل تِلْك الدواعي هو الله فكان فاعل الأفْعَال كلها هو الله - تعالى - ثم قال تعالى " فَقَتَلَهُ "، قيل : لم يَدْر قابيل كيف يَقْتُل هَابِيل.
قال ابن جُرَيْج١٠ : فتمثَّل له إبليس، فأخذ طَائِراً ووضَع رأسَه على حَجَرٍ، ثم شَدَخَ له حجراً آخر، وقَابيل يَنْظُر إلَيْه فعلَّمه القتل، فرضَخَ قابيل رَأسَ هَابِيل بين حَجَرَيْن، قيل : قتله وهو مُسْتَسْلِمٌ، وقيل : اغْتَالَه وهو نَائِمٌ١١.
وكان لهابيل يوم قُتل عشرون سنة، واخْتَلَفُوا في موضع قَتْله :
قال ابن عبَّاس١٢ - رضي الله عنهما - على جبل ثَوْر١٣، وقيل : عند عقبة حراء، وقيل : بالبَصْرَة عند موضع المَسْجد الأعْظَم١٤، فلمَّا قتله تركه بالعَرَاء ولم يدر ما يصنع به ؛ لأنَّه كان أول ميِّت على وَجْهِ الأرْض من بَنِي آدم، وقصده السِّباع فَحَمَلَه في جراب على ظَهْرِه أرْبَعِين يَوْماً١٥.
وقال ابن عبَّاس - رضي الله عنهما - : سَنَة حتى أروح١٦، وعَكَفَت عليه الطَّيْر والسِّبَاع تَنْظُر متى يرمي به فَتَأكله ثم قال : فَأصْبَح مِن الخَاسِرِين : الحائرين.
قال ابن عبَّاسٍ١٧ - رضي الله عنهما - خسر دُنْيَاه وآخِرته أما الدُّنْيَا : فإنه أسْخَطَ والديه، وَبقِي مذمُوماً إلى يوم القِيَامة، وأما الآخِرة : فهي العِقَابُ الدَّائِم العَظِيم.
قيل : إنَّ قابيل لما قتل أخاه [ هابيل ]١٨، هرب إلى عدن من أرْضِ اليمن، فأتاه إبْليس فقال له : إنَّما أكلت النَّارُ قُرْبَان هَابِيل ؛ لأنَّه كان يَخْدُم النَّار ويعبُدُها، فإن عَبدت أنت أيضاً النَّار حصل مَقْصُودك، فبنى بيت نَارٍ وهو أوَّل من عبد النَّار١٩، ورُوِي أنَّه لما قَتَلَهُ اسْوَدَّ جَسَدُهُ وكان أبْيَض، فَسَألَهُ آدم عن أخِيه، فقال : ما كُنْت عليه وَكِيلاً، فقال : بل قَتَلْته، ولذلك اسوَدَّ جَسَدُك، ومكث آدَمُ بَعْدَه مائة سنة لم يضَحْكَ قطّ.
قال الزمخشري٢٠ : روي أنَّه رَثَاهُ بِشِعْر، وهو كَذِب بحت والأنبياء معْصُومون عن الشِّعر٢١ روى أنس - رضي الله عنه - قال :" سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن يوم الثلاثاء فقال :" يوم الدَّم فيه حاضَت حَوَّاء، وفيه قتل ابنُ آدم أخَاه٢٢ ".

١ يقال: طاع الشيء يطوع سهل وانقاد. وطوعه فلان له أي سهله. قال الهروي: طوعت وأطاعت واحد؛ يقال: طاع له كذا إذا أتاه طوعا. وقيل: طاوعته نفسه في قتل أخيه؛ فنزع الخافض فانتصب.
ينظر: القرطبي ٦/٩١..

٢ ينظر: الكشاف (١/٦٢٦)..
٣ وقرأ بها الحسن بن عمران وأبو واقد كما في المحور الوجيز ٢٠/١٨٠، والبحر المحيط ٣/٤٧٩، والدر المصون ٢/٥١٢، والكشاف ١/٦٢٦..
٤ ينظر: الكشاف ١/٦٢٦..
٥ ينظر: الكتاب ٢/٢٣٩..
٦ في ب: إفصاح..
٧ ينظر: الكشاف (١/٦٢٦)..
٨ ينظر: الإملاء ١/٢١٤..
٩ ينظر: تفسير الرازي ١١/١٦٤..
١٠ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٤/٥٣٦) عن ابن جريج وعن مجاهد بنحوه وعزاه القرطبي لمجاهد وابن جريج ونسبه للأكثر ٦/٩١..
١١ ذكره الطبري في "تفسيره"(٤/٥٣٦) فقال: وقال بعضهم. فذكره..
١٢ ينظر: تفسير القرطبي ٦/٩١..
١٣ ينظر: تفسير البغوي ٢/٣٠..
١٤ قاله جعفر الصادق. ينظر: القرطبي ٦/٩٢..
١٥ ينظر: تفسير البغوي ٢/٣٠..
١٦ أخرجه الطبري في "تفسيره"(٤/٥٣٨) عن عطية العوفي..
١٧ ينظر: تفسير الرازي ١١/١٦٤..
١٨ سقط في أ..
١٩ ينظر: تفسير القرطبي ٦/٩٢، والرازي ١١/١٦٤..
٢٠ ينظر: الكشاف ١/٦٢٦..
٢١ وصدق صاحب الكشاف فيما قال، فإن ذلك الشعر في غاية الركاكة لا يليق بالحمقى من المعلمين، فكيف ينسب إلى من جعل الله علمه حجة على الملائكة. ينظر: الرازي ١١/١٦٤..
٢٢ أخرجه ابن مردويه عن أنس كما في "كشف الخفاء" (٢/٥٥٦)..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية