ﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱ

ويقول الحق بعد ذلك : وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعدوانوأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون ( ٦٢ ) .
والمسارعة في الإثم تعني أنهم من بداية الأمر في الإثم، ويسارعون فيه، أي أنهم كانوا على أولية الإثم ويجرون إلى آخرية الإثم، فضلا لهم واضح من البداية، كأن خلقهم الكفر يفضحهم، برغم محاولتهم كتمان ذلك. ويجدون أنفسهم مسارعين إلى فعل الإثم، أي أن عملهم ينزع إلى الكفر، ويجعلهم الحق يغفلون عن الكتمان، فتبدو منهم أشياء هي أكثر فضيحة من القول، وذلك أن الإثم مراحل :
مرحلة قول ومرحلة فعل، والفعل أكثر فضحا من القول.
ترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان ويقول الحق : كثير منهم صيانة الاحتمال أن يوجد الإيمان في قلب القليل منهم، وذلك لتبرئة أي إنسان يكفر في الإيمان. وهم أيضا يسارعون في العدوان، فإذا كان الإثم هو الجرم على أي لون كان، فالعدوان هو إثم يأخذ به إنسان حقا لغيره، ومثال ذلك الإنسان الذي يحقد، إثمه لنفسه ولذلك يعاني من تضارب الملكات حتى يبدوا وكأنه يأكل بعضه بضعا.
إن الحقد – كما نعلم – جريمة نفسية لم تتعد الحد. ويقال عن الحقد : إنه الجريمة التي تسبقها وعقوبتها، عكس أي جريمة أخرى، فأي جريمة تتأخر عقوبتها عنها إلا الحقد والحسد، فتنال عقوبة الحقد صاحبها منن قبل أن يحقد ؛ لأن الحاقد لا يحقد إلا لأن قلبه ومشاعره تتمزق عندما يرى المحقود عليه في خير. ولذلك يقال في الأثر :( حسبك من الحاسد أنه يغتم وقت سرورك ).
إذن فمن يرتكب إثما في نفسه لا يتعدى أثر إثمه إلى غيره، أما الذي يرتكب العدوان فهو ينقل حق إنسان إلى غيره. وهو قسمان ؛ هناك من يتعدى ليعطي حقا لغير ذي حق. وهناك من يتعدى بالسكوت على الظالم، فالظالم تتملكه شهوة الظلم، لكن من يرى الظالم ويسكت ولا ينهاه فهذا عدوان أيضا ؛ لأن الظالم عنده وفي نفسه ما يدفعه إلى أن يظلم، أما الشاهد الذي يصمت فليس عنده في نفسه ما يدفعه إلى أن يسكته. فمن – إذن – الأكثر شرا ؟ إنه الذي يصمت عن تنبيه الظالم إلى أنه يظلم.
وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان نلحظ أن كلمة ( سارع ) مثلها مثل كلمة ( نافس ) تدل على أن هناك أناس في سباق ؛ كأنهم يتسابقون على الإثم والعدوان، كأن الإثم والعدوان غاية منصوبة في أذهانهم، ومتفقة مع قلوبهم.
وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون والسحت هو كل مال مصدره حرام، سواء أكان رشوة أم ربا أم سرقة أم اختلاسا أم خطفا أم اغتصابا، كل تلك ألوان وما ماثلها من السحت إنها أخذ لحق الغير. وأخذ حق الغير له صور متعددة، فإن أخذه أحد خفية فتلك هي السرقة. وإن سارع إنسان لخطف شيء من بضاعة إنسان آخر فهذا هو الخطف. وإذا لحق به صاحب البضاعة وتجاذبا وتشادا فهذه المجاذبة تخرج بالخطف إلى دائرة الغضب. وإن كان الإنسان أمينا على شيء وأخذه فهذا هو الاختلاس، وكل ذلك أكل مال بالسحت. بئس هذا اللون من العمل.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير