قوله : وترى كَثِيراً منْهُمْ يسارعون فِي الإثم الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل من يصلح له، والضمير في مِنْهُمْ عائد إلى المنافقين، أو اليهود، أو إلى الطائفتين جميعاً و يسارعون فِي الإثم في محل نصب على الحال، على أن الرؤية بصرية أو هو مفعول ثان لترى على أنها قلبية، والمسارعة : المبادرة، والإثم : الكذب أو الشرك أو الحرام، والعدوان : الظلم المتعدي إلى الغير أو مجاوزة الحدّ في الذنوب، والسحت : الحرام، فعلى قول من فسر الإثم بالحرام يكون تكريره للمبالغة، والربانيون علماء النصارى، والأحبار : علماء اليهود ؛ وقيل الكل من اليهود لأن هذه الآيات فيهم.
وأخرج ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس قال : أتى النبيّ صلى الله عليه وسلم نفر من اليهود، فسألوه عمن يؤمن به من الرسل فقال :«أؤمن بالله وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وما أوتى موسى وعيسى، النبيون من ربهم، لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون» ؛ فلما ذكر عيسى جحدوا نبوّته، وقالوا : لا نؤمن بعيسى ولا نؤمن بمن آمن به، فأنزل الله فيهم : قُلْ يا أهل الكتاب هَلْ تَنقِمُونَ مِنَّا إلى قوله : فاسقون .
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد في قوله : وَجَعَلَ مِنْهُمُ القردة والخنازير قال : مسخت من يهود. وأخرج أبو الشيخ، عن أبي مالك أنه قيل له : كانت القردة والخنازير قبل أن يمسخوا ؟ قال : نعم، وكانوا مما خلق من الأمم. وأخرج مسلم، وابن مردويه، عن ابن مسعود قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القردة والخنازير هما مما مسخ الله ؟ فقال :
«إن الله لم يهلك قوماً»، أو قال :«لم يمسخ قوماً فيجعل لهم نسلاً ولا عاقبة، وإن القردة والخنازير كانت قبل ذلك». وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله : وَإِذَا جَاءوكُمْ قَالُواْ آمَنَّا الآية، قال أناس من اليهود : كانوا يدخلون على النبي صلى الله عليه وسلم فيخبرونه أنهم مؤمنون راضون بالذي جاء به، وهم متمسكون بضلالتهم وبالكفر، فكانوا يدخلون بذلك ويخرجون به من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير، عن السدي في الآية قال : هؤلاء ناس من المنافقين كانوا يهوداً، يقول دخلوا كفاراً وخرجوا كفاراً.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن أبي زيد في قوله : وترى كَثِيراً مّنْهُمْ يسارعون فِي الإثم والعدوان قال : هؤلاء اليهود لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ إلى قوله : لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ . لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ قال : يصنعون ويعملون واحد، قال لهؤلاء حين لم ينتهوا، كما قال لهؤلاء حين عملوا. وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس في قوله : لَوْلاَ ينهاهم الربانيون والأحبار قال : فهل لا ينهاهم الربانيون والأحبار، وهم الفقهاء والعلماء. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، عن ابن عباس قال : ما في القرآن آية أشد توبيخاً من هذه الآية لَوْلاَ ينهاهم الربانيون والأحبار وأخرجه ابن المبارك في الزهد، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن الضحاك بن مزاحم نحوه. وقد وردت أحاديث كثيرة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا حاجة لنا في بسطها هنا.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني