المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه انه اخذ الميثاق على بني إسرائيل وبعث فيهم النقباء- أعاد التذكير به هنا مرة أخرى وبين عوهم وشدة تمردهم وما كان من سوء معاملتهم لأنبيائهم.
بعد أن عدد قبائح اليهود ومخازيهم شرع يفصل قبائح النصارى ويبطل أقوالهم الفاسدة وآراءهم الزائفة فقال :
لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم أي أقسم إن هؤلاء الذين اعدوا أن الله هو المسيح ابن مريم – قد كفروا وضلوا ضلالا بعيدا إذ هم في إطرائه ومدحه غلوا أشد من غلو اليهود في الكفر به وتحقيره وقولهم عليه وعلى أمه الصديقة بهتانا عظيما وقد صارت هذه المقالة هي العقيدة الشائعة عندهم ومن عدل عنها عد مارقا من الدين فقالوا : إن الإله مركب من ثلاثة أصول يسمونها ( الأقانيم الثلاثة ) وهي الآب والابن وروح القدس فالمسيح هو الابن والله هو الآب وقد حل الآب في الابن به فكون روح القدس وكل واحد من هذه الثلاثة عين الآخرين.
وخلاصة ذلك : الله هو المسيح والمسيح هو الله كما يزعمون.
ثم ذكر أن المسيح يكذبكم في ذلك فحكى عنه :
وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم أي والحال أن المسيح قال لهم ضد ما يقولون فقد أمرهم بعبادة الله وحده معترفا بأنه ربه وربهم ودعا بني إسرائيل الذين أرسل إليهم إلى عبادة الله وحده ولا يزال هذا الأمر محفوظا في الأناجيل التي كتبت لبيان بعض سيرته وتاريخيه ففي إنجيل يوحنا ( وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته ) فدين المسيح مبني على التوحيد المحض وهو دين الله الذي أرسل به جميع رسله.
وفي هذه المقالة تنبيه إلى ما هو الحجة القاطعة على فساد قول النصارى لأنه عليه السلام لم يفرق بين نفسه وغيره في أن دلائل الحدوث ظاهرة على الجميع.
وبعد أن أمرهم عليه السلام بالتوحيد الخالص أتبعه بالتحذير من الشرك والوعيد عليه فقال :
إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار أي إن كل من يشرك بالله شيئا من ملك أو بشر أو كوكب أو حجر أو نحو ذلك فيجعله ندا له أو متحدا به أو يدعوه لجلب نفع أو دفع ضرر أو يزعم أنه يقربه إليه زلفى فيتخذه شفيعا ليؤثر في إراداته تعالى وعلمه ويحمله على شيء غير ما سبق به علمه وخصصته إرادته في الأزل – من يفعل ذلك فإن الله قد حرم عليه الجنة في سابق علمه وبمقتضى شرعه الذي أوحاه إلى جميع رسله فلا مأوى له إلا النار التي هي دار العذاب والذل والهوان –وما للظالمين لأنفسهم بشركهم بالله من نصير ينصرهم ولا شفيع ينقذهم مما يحل بهم مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ( البقرة : ٢٥٥ ).
وفي الآية إيماء إلى أن النصارى كانوا يتكلمون على كثير من القديسين إذ كانت وثنية الشفاعة قد فشت فيهم وإن تكن من أصل دينهم.
تفسير المراغي
المراغي