ﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃ

قوله تعالى : وَتَرَى كَثِيراً مِّنْهُمْ قيل : مِنَ اليَهُود كَعْبُ بنُ الأشْرَف، يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مُشْرِكي مَكَّةَ حين خَرَجُوا إليهم يجيشون على النَّبِي - صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم -.
وقال ابنُ عبَّاس والحَسَنُ ومُجَاهِد - رضي الله عنهم - :" مِنْهُمْ " يعني المُنَافِقِين يَقُولُون لِلْيَهُود :" لِبِئْسَ ما قدَّمَتْ لَهُمْ أنْفُسُهُمْ " (١)، بِئسَ مَا قَدَّموا من العَملِ لمعَادِهِم في الآخِرَة.
قوله تعالى : أَن سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ في محلِّه أوجهٌ :
أحدها : أنه مرفوعٌ على البدلِ من المخصُوصِ بالذمِّ، والمخصوصُ قد حُذِفَ، وأُقيمَتْ صفتُه مقامه، فإنك تُعْرِبُ " مَا " اسماً تامّاً معرفةً في محلِّ رفعٍ بالفاعلية بفعلِ الذمِّ، والمخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ، و قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ جملةٌ في محلِّ رفع صفةً له، والتقديرُ : لَبِئْسَ الشيءُ شَيءٌ قَدَّمَتْهُ لَهُمْ أنْفُسُهمْ، ف أنْ سَخِطَ اللَّهُ عليْهِمْ بدلٌ من " شَيْء " المحذوفِ، وهذا هو مذهبُ سيبويه(٢) ؛ كما تقدَّم تقريرُه.
الثاني : أنه هو المخصوصُ بالذمِّ، فيكونُ فيه الثلاثةُ أوجه المشهورة :
أحدها : أنه مبتدأٌ، والجملةُ قبله خبرُه، والرابطُ على هذا العمومُ عند مَنْ يَجْعَلُ ذلك، أو لا يحتاج إلى رابط ؛ لأن الجملةَ عينُ المبتدأ.
الثاني : أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ ؛ لأنك لمَّا قلت :" بِئْسَ الرَّجُلُ " قيل لك : مَنْ هو ؟ فقلتَ : فلانٌ، أي : هُوَ فلانٌ.
الثالث : أنه مبتدأ، خبرُه محذوفٌ، وقد تقدَّم تحريرُ ذلك، وإلى كونه مخصوصاً بالذمِّ ذهب جماعةٌ كالزمخشريِّ، ولم يذكر غيره، قال : أن سخطَ اللَّهُ عليْهِمْ هو المخصوصُ بالذمِّ ؛ كأنه قيل : لبِئْسَ زادُهُمْ إلى الآخرة سخطُ اللَّهِ تعالى عليْهِمْ، والمعنى : مُوجِبُ سُخط الله، قال شهاب الدين(٣) : وفي تقدير هذا المضاف من المحاسنِ ما لا يَخْفَى على متأمِّلِهِ ؛ فإنَّ نفسَ السُّخْطِ المضاف إلى الباري تعالى لا يقالُ هو المخصوصُ بالذمِّ، إنما المخصوصُ بالذمِّ أسبابُه، وذهبَ إليه أيضاَ الواحديُّ ومكي(٤) وأبو البقاء(٥)، إلاَّ أنَّ أبا حيان(٦) بعد أنْ حكى هذا الوجه عن أبي القاسم الزمخشريِّ قال :" ولَمْ يَصِحَّ هذا الإعرابُ إلا على مذهبِ الفرَّاءِ والفارسيِّ في جَعْلِ " مَا " موصولةً، أو على مذهب من يجعلُ " مَا " تمييزاً، و " قَدَّمَتْ لَهُمْ " صفتها، وأمَّا على مذهبِ سيبويه، فلا يتأتَّى ذلك " ثم ذكر مذهبَ سيبويه.
والوجه الثالث من أوجه " أنْ سَخِطَ " : أنه في محلِّ رفع على البدلِ من " مَا "، وإلى ذلك ذهب مكي(٧) وابنُ عطية(٨)، إلا أن مكِّيًّا حكاه عن غيره، قال :" وقيل : في موضعِ رفع على البدلِ من " مَا " في " لَبِئْسَ " على أنها معرفةٌ "، قال أبو حيان(٩) - بعد ما حكى هذا الوجه عن ابن عطيَّة - :" ولا يَصِحُّ هذا، سواءٌ كانت " مَا " تامَّةً أو موصولةً ؛ لأنَّ البدلَ يَحُلُّ محلَّ المبدل منه، و " أنْ سَخِطَ " لا يجوزُ أنْ يكونَ فاعلاً ل " بِئْسَ " ؛ لأنَّ فاعل " بِئْسَ " لا يكونُ أن والفِعْلَ " وهو إيرادٌ واضحٌ كما قاله.
الوجه الرابع : أنه في محلِّ نصْبٍ على البدلِ من " مَا "، إذا قيل بأنها تمييزٌ، ذكر ذلك مكي(١٠) وأبو البقاء(١١)، وهذا لا يجوزُ ألبتة ؛ وذلك لأنَّ شرطَ التمييز عند البصريين أن يكون نكرةً، و " أنْ " وما في حيِّزها عندهم من قبيل أعرف المعارفِ ؛ لأنَّها تُشْبِهُ المُضْمَرَ، وقد تقدم تقريرُ ذلك، فكيف يَقعُ تمييزاً ؛ لأنَّ البدلَ يَحُلُّ محلَّ المبدَلِ منه ؟ وعند الكوفيين أيضاً لا يجوزُ ذلك ؛ لأنَّهم لا يُجيزون التمييزَ بكلِّ المبدَلِ منه ؛ وعند الكوفيين أيضاً لا يجوزُ ذلك ؛ لأنَّهم لا يجيزون التمييزَ بكلِّ معرفةٍ خُصُوصاً أنْ والفعل.
الخامس : أنه في محلِّ نصبٍ على البدل من الضمير المنصوب ب " قَدَّمَتْ " العائدِ على " مَا " الموصولةِ أو الموصوفة ؛ على حسبِ ما تقدَّم، والتقديرُ : قدَّمَتْهُ سُخْطَ الله ؛ كقولك :" الذي رَأيْتُ زَيْداً أخُوكَ " وفي هذا بحثٌ يذكَرُ في موضعه.
السادس : أنه في موضع نصب على إسقاط الخافض ؛ إذ التقديرُ : لأنْ سخطَ، وهذا جارٍ على مذهب سيبويه(١٢) والفراء(١٣) ؛ لأنهما يَزْعُمان أنَّ محل " أنْ " بعد حذْفِ الخافض في محلِّ نصب.
السابع : أنه في محلِّ جرٍّ بذلك الخافضِ المقدَّرِ، وهذا جارٍ على مذهبِ الخليلِ والكسائيِّ ؛ لأنهما يَزْعُمان أنَّها في محل جرٍّ، وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك غيرَ مرَّةٍ، وعلى هذا، فالمخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ، أي : لَبِئْسَمَا قدَّمَتْ لَهُمْ أنفُسُهُمْ عَملُهُمْ أو صُنْعُهُمْ، ولامُ العلَّةِ المقدَّرة معلَّقَةٌ إمَّا بجملةِ الذمِّ، أي : سببُ ذَمِّهِمْ سُخْطُ اللَّهِ عليهم، أو بمحذوفٍ بعده، أي : لأنْ سخطَ اللَّهُ عليْهِمْ كَانَ كَيْتَ وكَيْتَ.
و " تَرَى " يجوز أنْ تكونَ مِنْ رؤية البَصَر، ويكونُ الكثيرُ المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأن تكونَ العلميَّةَ، والكثيرُ على هذا أسلافُهم، فمعنى " تَرَى " : تَعْلَمُ أخبارَهم وقصَصَهم بإخبارنا إيَّاك، فعلى الأوَّل يكون قوله " يَتَوَلَّوْن " في محلِّ نصبٍ على الحال، وعلى الثَّاني يكون في محلِّ نصبٍ على المفعول الثاني.

١ انظر: تفسير القرطبي (٦/١٦٠)..
٢ ينظر: الكتاب ١/٤٧٦..
٣ ينظر: الدر المصون ٢/٥٨٨..
٤ ينظر: المشكل ١/٢٤٢..
٥ ينظر: الإملاء ١/٢٢٣..
٦ ينظر: البحر المحيط ٣/٥٤٩..
٧ ينظر: المشكل ١/٢٤٢..
٨ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٢٢٥..
٩ ينظر: البحر المحيط ٣/٥٤٩..
١٠ ينظر: المشكل ١/٢٤٢..
١١ ينظر: الإملاء ١/٢٢٣..
١٢ ينظر: الكتاب ١/١٧١..
١٣ ينظر: معاني القرآن ١/١٤٨، ٢/٢٣٨..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية