المعنى الجملي : بعد أن مدح سبحانه النصارى بأنهم أقرب الناس مودة للمؤمنين وذكر من أسباب ذلك أن منهم قسيسين ورهبانا، ظن المؤمنون أن في هذا ترغيبا في الرهبانية وظن الميالون للتقشف والزهد أنها منزلة تقربهم إلى الله، ولن تتحقق إلا بترك التمتع بالطيبات من الطعام واللباس والنساء، إما دائما كامتناع الرهبان من الزواج، وإما في أوقات معينة كأنواع الصيام التي ابتدعوها، فأزال الله هذا الظن وقطع عرق هذا الوهم بذلك النهي الصريح.
روى ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله : يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم قال : نزلت هذه الآية في رهط من الصحابة قالوا : نقطع مذاكيرنا ونترك شهوات الدنيا ونسيح في الأرض كما تفعل الرهبان فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إليهم فذكر لهم ذلك فقالوا : نعم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم
( لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وأنكح النساء فمن أخذ بسنتي فهو مني، ومن لم يأخذ بسنتي فليس مني ).
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن عكرمة أن عثمان بن مظعون وعلي بن أبي طالب وابن مسعود والمقداد بن الأسود وسالما مولى أبي حذيفة وقدامة تبتلوا فجلسوا في البيوت واعتزلوا النساء ولبسوا المسوح وحرموا طيبات الطعام واللباس إلا ما يأكل ويلبس أهل السياحة من بني إسرائيل، وهموا بالاختصاء وأجمعوا على القيام بالليل وصيام النهار فنزلت الآية : يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم الآية، فلما نزلت بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :{ إن لأنفسكم حقا، وإن لأعينكم حقا، وإن لأهلكم حقا، فصلوا وناموا، وصوموا، وأفطروا فليس منا من ترك سنتنا " فقالوا : اللهم صدقنا واتبعنا ما أنزلت مع الرسول.
الإيضاح : وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا أي وكلوا مما رزقكم الله من الحلال في نفسه لا من المحرمات كالميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير، ومن الحلال في كسبه وتناوله بألا يكون ربا ولا سحتا، ولا سرقة، مع كونه مستلذا غير مستقذر لذاته أو لطارئ يطرأ عليه من فساد أو تغير لطول مكث ونحوه.
والأكل في الآية يراد به التمتع الشامل للشرب ونحوه من حلال غير مسكر ولا ضار، ومن كل طيب غير مستقذر في ذاته أو لطارئ يطرأ عليه.
والخلاصة : إنه ينبغي للمؤمن أن يتمتع بما تيسر له من الطيبات بلا تأثم ولا تحرج، ويحضر قلبه أنه عامل بشرع الله مقيم لسنة الفطرة التي فطر الله عليها، شاكر له بالاعتراف والحمد والثناء عليه، كما أن امتناعه عن الطيبات التي رزقه الله إياها مع الداعية الفطرية إلى الاستمتاع بها إثم يجنيه على نفسه في الدنيا ويستحق به عقاب الآخرة، لزيادته في دين الله قربات لم يأذن بها، ولإضاعة حقوق الله وحقوق عباده كإضاعة حقوق امرأته وعياله.
والتحريم والتحليل تشريع وهو من حقوق الله فمن انتحله لنفسه كان مدعيا الربوبية أو كالمدعي لها.
وعن الحسن البصري : إن الله أدب عباده فأحسن أدبهم فقال : لينفق ذو سعة من سعته [ الطلاق : ٧ ] ما عاب قوما وسع عليهم الدنيا فتنعموا وأطاعوا، ولا عذر قوما زواها عنهم فعصوه. وعنه أنه قيل له : فلان لا يأكل الفالوذج ويقول لا أؤدي شكره، قال : أفيشرب الماء البارد ؟ قالوا : نعم، قال : إنه جاهل، إن نعمة الله عليه في الماء البارد أكثر من نعمته عليه في الفالوذج " البلوظة ".
واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون أي اتقوه في الأكل واللباس والنساء وغيرها، فلا تفتاتوا عليه في تحليل ولا تحريم، ولا تعتدوا حدوده فيما أحل وما حرم، إذ من جعل شهوة بطنه أكبر همه كان من المسرفين، ومن بالغ في الشبع وعرض معدته وأمعاءه للتخمة كان من المسرفين، ومن أنفق في ذلك أكثر من طاقته وعرّض نفسه لذل الدين أو أكل أموال الناس بالباطل فهو من المسرفين والله يقول : وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين [ الأعراف : ٣١ ].
والخلاصة : إن هدى القرآن في الطيبات هو ما تقتضيه الفطرة السليمة المعتدلة من التمتع بها من الاعتدال والتزام الحلال، والاعتدال هو الصراط المستقيم الذي يقل سالكه، فكثير من الناس يحيدون عنه ويميلون في التمتع إلى جانب الإفراط والإسراف، ويكونون كالأنعام بل أضل لأنهم يجنون على أنفسهم حتى قال بعض الحكماء : إن أكثر الناس يحفرون قبورهم بأسنانهم.
وقليلون منهم ينحرفون إلى جانب التفريط والتقتير إما اضطرارا لبؤسهم وعدمهم وإما اختيارا كالزهاد والمتقشفين.
وسبيل الاعتدال سبيل شاقة على النفوس، عسرة على سالكها، كلها تدل على فضيلة العقل ورجحانه.
والمعروف من سيرة الرسول أنه كان يأكل ما وجده، فتارة يأكل أطيب الطعام كلحوم الأنعام والطير والدجاج، وتارة يأكل أخشنة كخبز الشعير بالملح أو الزيت أو الخل، وحينا يجوع وأخرى يشبع، فكان في كل ذلك قدوة للموسر والمعسر.
وما كان يهمه أمر الطعام، لكنه كان يعنى بأمر الشراب، ففي حديث عائشة :" كان أحب الشراب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحلو البارد " قال المحدثون : ويدخل في ذلك الماء القراح والماء المحلى بالعسل أو نقيع التمر أو الزبيب.
تفسير المراغي
المراغي