قال تعالى : لا تختصمون لَدَيَّ أي : في موقف الحساب والجزاء، إذ لا فائدة في ذلك، والجملة استئناف جواب عن سؤال، كأن قائلاً قال : فماذا قال الله تعالى لهم ؟ قال : لا تختصموا عندي وقد قَدَّمتُ إِليكم بالوعيد في دار الكسب على ألسنة رسلي، فلا تطمعوا في الخلاص منه بما أنتم فيه من التعلُّل بالمعاذير الباطلة. والجملة فيها تعليل للنهي، على معنى : لا تختصموا وقد صحّ عندكم أني قدمت إليكم بالوعيد حيث قلت :" لأملأن جهنم. . . " الخ، فاتبعتموه معرضين عن الحق، فلا وجه للاختصام في هذا الوقت. والباء إما مزيدة كما في قوله : وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ [ البقرة : ١٩٥ ] أو معدية على أن " قَدَّم " مضارع تقدم.
[ يوسف : ٥٣ ] قَدْ أَفَلَحَ مَن زَكَّاهَا ( ٩ ) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا( ١٠ ) [ الشمس : ٩، ١٠ ] وقلت في شأن مَن جاهد نفسه، وردها لأصلها : يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ [ الفجر : ٢٧ ] الآية، ما يُبدلّ القولُ لَدَيَّ فإني وعدت أهل المجاهدة بالوصول إلى حضرتي، والتنعُّم برؤيتي بقولي : وَالَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا... [ العنكبوت : ٦٩ ] الآية، وأهلَ الغفلة بالحجاب، بقولي : كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ( ١٤ ) كَلاَّ إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ( ١٥ ) [ المطففين : ١٤، ١٥ ]، وما ظلمت أحداً قط، لأن الظلم ليس من شأني، ولا يليق بمُلكي.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي