ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟ

ثم رجع إلى تهديد الكفرة، فقال :
وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشاً فَنَقَّبُواْ فِي الْبِلاَدِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ * إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ * وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ .
يقول الحق جلّ جلاله : وكم أهلكنا قبلهم قبل قومك من قَرْنٍ من القرون الذين كذَّبوا رسلهم هم أشدُّ منهم من قومك بطشاً قوة وسطوة، فنَقَّبوا في البلاد أي : خرّبوا وطافوا وتصرّفوا في أقطارها، وجالوا في أكناف الأرض كل مجال حذرا من الموت هل وجدوا من مَحيص أي : مهرب منها ؟ بل لَحِقَتهم ودقت أعناقهم، أو : هل وجدوا من مهرب من أمر الله وقضائه ؟ وأصل التنقيب والنقب : البحث والطلب، قال امرؤ القيس١ :

لقد نَقَّبْتُ في الآفاقِ حَتَّى رَضِيتُ من الغَنِيمَةِ بالإِيابِ
ودخلت الفاء للتسبُّب عن قوله : هم أشد منهم بطشاً أي : شدة بطشهم، أي : قدرتهم على التنقيب في البلاد، ويجوز أن يعود الضمير إلى أهل مكة، أي : ساروا في أسفارهم ومسايرهم في بلد القرون، فهل رأوا لهم محيصاً حتى يُؤملوا مثله أنفسهم ؟ ويؤيدهم قراءة مَن قرأ ( فنَقِّبوا ) على صيغة الأمر.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : كثيراً ما أهلك اللّهُ من النفوس المتمردة في القرون الماضية، زجراً لمَن يأتي بعدهم، ففي ذلك ذِكرى لمَن كان له قلب سليم من تعلُّقات الكونين. قال القشيري : فالقلوب أربعة : قلب فاسد : وهو الكافر، وقلب مقفول : وهو قلب المنافق، وقلب مطمئن : وهو قلب المؤمن، وقلب سليم : وهو قلب المحبين والمحبوبين، الذي هو مرآة صفات جمال الله وجلاله، كما قال تعالى :" لا يسعني أرضي ولا سمائي، ووسعني قلب عبدي المؤمن " هـ. وقال الشبلي : لِمن كان له قلب حاضر مع الله، لا يغفل عنه طرفة عين. وقال يحيى بن معاذ : القلب قلبان : قلب احتشى بأشغال الدنيا، حتى إذا حضر أمرٌ من أمور الآخرة لم يدرِ ما يصنع، وقلب احتشى بالله وشهوده، فإذا حضر أمر من أمور الكونين لم يدرِ ما يصنع، غائب عن الكونين بشهود المكوِّن. وقال القتاد : لمن كان له قلب لا يتقّلب عن الله في السراء والضراء. هـ. أو ألقى السمع وهو شهيد أي : يشهد ما مِن الله إلى الله، أو : يشهد أسرار الذات. قال القشيري : يعني مَن لم يكن له قلب بهذه الصفة يكون له سمع يسمع الله وهو حاضر مع الله، فيعتبر بما يشير إليه الله في إظهار اللطف أو القهر. هـ. ولقد خلقنا السماوات أي : سماوات الأرواح، وأرض الأشباح، وما بينهما من النفوس والقلوب والأسرار، وسر الأسرار، في ستة أيام، أي : ستة أنواع من المخلوقات، وهي محصورة فيما ذكرناه من الأرواح، والأشباح، والنفوس، والقلوب، والأسرار، وسر الأسرار، فلا مخلوق إلا وهو داخل في جملتها، لا يخرج عنها، وما مسّنا من لُغوب لأن أمرنا بين الكاف والنون.

١ البيت في ديوان امرئ القيس ص٤٣، ولسان العرب (نقب)، وجمهرة الأمثال ١/٤٨٤، والعقد الفريد ٣/١٢٦، والفاخر ص٢٦٠، وكتاب الأمثال ص٢٤٩، والمستقصى ٢/١٠٠، ومجمع الأمثال ١/٢٩٥، وتهذيب اللغة ٩/١٩٧..

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير