ﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟ

ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب١( ٣٨ ) فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب( ٣٩ ) ومن الليل فسبحه وأدبر السجود٢( ٤٠ ) واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب( ٤١ ) يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج( ٤٢ ) إنا نحن نحيي ونميت وإلينا المصير( ٤٣ ) يوم تشقق الأرض عنهم سراعا ذلك حشر علينا يسير( ٤٤ ) نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار٣ فذكر بالقرآن من يخاف وعيد( ٤٥ ) [ ٣٨-٤٥ ].
يروي الطبري والبغوي في صدد نزول الآيتين [ ٣٨ و ٣٩ ] أنهما نزلتا في موقف جدلي بين النبي صلى الله عليه وسلم واليهود : حيث روى الطبري عن أبي بكر قال :( جاءت اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا محمد أخبرنا ما خلق الله من الخلق في هذه الأيام الستة ؟ فقال : خلق الله الأرض يوم الأحد والاثنين، وخلق الجبال يوم الثلاثاء، وخلق المدائن والأقوات والأنهار وعمرانها وخرابها يوم الأربعاء، وخلق السماوات والملائكة يوم الخميس إلى ثلاثة ساعات يعني من يوم الجمعة، وخلق في أول الثلاث الساعات الآجال، وفي الثانية الآفة، وفي الثالثة آدم، قالوا : صدقت إن أتممت، فعرف النبي صلى الله عليه وسلم ما يريدون فغضب فأنزل الله وما مسنا من لغوب٣٨ فاصبر على ما يقولون ). وروى البغوي هذا الحديث بزيادة وهي :( أن اليهود حينما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : صدقت إن أتممت، قال : وما ذاك ؟ قالوا : ثم استراح يوم السبت واستلقى على العرش، فأنزل الله تعالى هذه الآية ردا عليهم، وقال له : فاصبر على ما يقولون من كذبهم فإن الله لهم بالمرصاد، وهذا قبل الأمر بقتالهم ).
والمصحف الذي اعتمدناه يروي أن الآية [ ٣٨ ] التي فيها خلق السماوات والأرض في ستة أيام مدنية دون الآية [ ٣٩ ] مع أن الآية [ ٣٩ ] هي الأولى لأن تكون مدنية. لأن فيها أمرا بالصبر على ما يقولون، ومقتضى الرواية : أن تكون الآيات نزلت مجزأة مع أنها وحدة منسجمة متوازنة، وهي وما قبلها في صدد مواقف الكفار منكري البعث، وفي صدد إنذارهم وحكاية ما سوف يلقونه من مصير أخروي رهيب، وما سوف يلقاه المؤمنون من مصير أخروي سعيد بالمقابلة. وكل هذا يجعلنا نتوقف أولا في رواية مدنية الآية [ ٣٨ ] ثم في الرواية التي يرويها الطبري كسبب لنزول الآيات، ونرجح أنها في صدد البرهنة على قدرة الله تعالى على بعث الناس بالتذكير بأنه الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما دون أن يناله بذلك إعياء وعجز. وبأن من كان كذلك قادر من باب أولى على الخلق ثانية. وقد استمر الإنذار الرباني لهم مع تسلية النبي وتثبيته مما هو متصل بموضوع الآيات عامة. وفيه دليل على انسجامها ووحدتها. على أن هذا لا يمنع أن يكون من مقاصد جملة وما مسنا من لغوب الرد على ما كان يقول اليهود والنصارى معا لأنه مما ورد في الإصحاحين الأول والثاني من سفر التكوين ولم يكن ذلك مجهولا في العهد المكي.
ولم نطلع على روايات في صدد وسبب نزول الآيات الأخرى التي نرجح كما قلنا أنها سياق واحد ونزلت معا.
وفي الآيات [ ٤٢ و ٤٣ و ٤٤ ] توكيد جديد من الله عز وجل : بأنه هو الذي يحيي ويميت، وبأن صوت مناديه سوف يعلو فيخرج الناس من الأرض ملبين مسرعين إليه ليفصل بينهم حسب أعمالهم، وبأن ذلك هين سهل عليه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:كثرة الآيات المتضمنة تطمينا للنبي عليه السلام وحكمتها
وبمناسبة ما انطوى في الآيات من تسلية النبي صلى الله عليه وسلم نقول : إن القرآن المكي احتوى آيات كثيرة جدا في هذا الباب وبأساليب متنوعة. فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم شديد الحرص على هداية قومه، وكان حزنه وهمه يشتدان كل ما أرى الزعماء يستمرون في مواقف الجحود والمناوأة والصد، ورأى الأكثرية الساحقة من العرب ينكمشون عن الدعوة نتيجة لذلك طيلة العهد المكي الذي امتد ثلاث عشرة سنة، مضافا إلى ذلك اضطهاد المستضعفين من المؤمنين وفتنتهم حتى ليكاد يهلك نفسه من الهم والحزن، مما أشارت إليه آيات عديدة، منها آية سورة فاطر هذه : أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون٨ وآية سورة الشعراء هذه : لعلك باخع١ نفسك ألا يكونوا مؤمنين٣ وآية سورة طه هذه : ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى٢ إلا تذكرة لمن يخشى٣ وآية سورة الكهف هذه : فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا٦ فاقتضت حكمة التنزيل موالاة التطمين له وتسليته والتهوين عليه وإخباره بأنه ليس مسؤولا عن هدايتهم ولا هو وكيلا عليهم ولا جبارا ولا مسيطرا، وإنما هو نذير وبشير. والآيات في هذا الباب كثيرة جدا منثورة في أكثر السور المكية فلم نر ضرورة إلى إيراد نماذج منها.
والمفسرون يقولون في سياق هذه الآيات وأمثالها : إنها نسخت بآيات السيف والقتال في العهد المدني. وقد علقنا على هذا القول بما فيه الكفاية في سياق تفسير سورتي المزمل والكافرون، فلا نرى ضرورة للإعادة.
تعليق على مدى العبارات القرآنية في تعيين أوقات الصلاة
وقد علق بعض المفسرين على ما احتوته الآيات [ ٣٩ و ٤٠ ] من ذكر أوقات التسبيح التي أمر النبي بالتسبيح فيها بحمد ربه فقال : إنها بصدد أوقات الصلوات الخمس. ولقد تكرر الأمر والحث على ذكر الله وقراءة القرآن وإقامة الصلوات مقرونا بذكر أوقات معينة من الليل والنهار، كما في آية سورة هود هذه : وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين١١٤ وفي آيات سورة الإسراء هذه : أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا٧٨ ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا٧٩ وفي آية سورة طه هذه : فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آنائي الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى١٣٠ ومع أن المتبادر من روح الآيات : هو قصد الأمر بذكر الله وعبادته في جميع الأوقات، فإن مما يحتمل أيضا أن يكون قد انطوى فيها قصد الصلوات الخمس المفروضة وأوقاتها. وإذا صح هذا، ففيه دلالة على أن الصلوات الخمس في الليل والنهار مما كان ممارسا منذ عهد مبكر من البعثة، أو على الأقل فيه دلالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين كانوا يقيمون الصلاة في أوقات عديدة في الليل والنهار منذ أوائل البعثة إذا صح أن الصلوات الخمس لم تفرض فرضا محددا إلا في ظروف الإسراء، على ما شرحناه في سياق سورتي العلق والنجم.
وواضح من آيات هذه السورة والآيات الأخرى التي أوردناها آنفا أنها لا تحتوي أسماء الأوقات صراحة ولا تحددها تحديدا معينا وقاطعا. وهذا ما تكفلت به السنة النبوية التي تكفلت بشرح وتحديد كثير من التعليمات والتشريعات والخطوط القرآنية.
تعليق على ما يمده ذكر الله وتسبيحه وعبادته للمؤمنين
من قوة معنوية تساعد على مواجهة الملمات
ويلحظ أن الأمر بتسبيح الله في الآيات، مسبوق بأمر النبي بالصبر على ما يقول الكفار من أقوال مثيرة للشجن، وعلى ما يقفونه من مواقف الجحود واللجاج. وهذا ما يلحظ في آية سورة طه أيضا، بل إن هذا ملحوظ في السياق الذي يسبق آيات سورة الإسراء كما ترى في هاتين الآيتين اللتين سبقتا تلك الآيات وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا٧٦ سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا٧٧ كما هو ملحوظ أيضا في السياق الذي يسبق آية سورة هود، كما ترى في هاتين الآيتين : فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير١١٢ ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون١١٣ وينطوي في هذا تلقين روحاني رائع، وهو أن ذكر الله سبحانه وتعالى وتسبيحه والوقوف بين يديه في الأوقات التي يلم فيها بالمؤمن غم وهم من شأنه أن يشرح صدره ويمده بقوة معنوية كبيرة تتضاءل معها خطوب الدنيا وهمومها. وهذا مما انطوى في الآيتين الأخيرتين لسورتي العلق والشرح على ما ذكرناه تعليقا عليهما.
ولقد روى البخاري ومسلم في سياق الآية عن جرير بن عبد الله قال :( كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم ليلة فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة فقال : إنكم سترون ربكم كما ترون هذا، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا ثم قرأ وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب )٢.
وفي الحديث توضيح تدعيمي لكون التسبيح المأمور به في الآيات هو الصلاة أو كون الصلاة من جملة ذلك.
ولقد أوردنا هذا الحديث في سياق تعليقنا على مسألة رؤية الله تعالى في سورة القيامة. ونقول بمناسبة وروده في سياق هذه الآية : إن الحكمة النبوية الملموحة في هذا الحديث هي جعل المؤمنين يهتمون اهتماما عظيما لأداء الصلوات في أوقاتها رجاء نيل رضوان الله تعالى، وفي ذلك عميم الخير في الدنيا والآخرة معا.


التفسير الحديث

عرض الكتاب
المؤلف

دروزة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير