ﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌ

فأقبلت امرأتُه سارة لمَّا سمعت بشارتهم إلى بيتها، وكانت في زاوية منه تنظر إليهم، في صَرَّةٍ صيحة، من الصرير، وهو الصوت، ومنه : صرير الباب وصرير الأقلام. قال الزجَّاج : الصرّة : شدّة الصياح. وفي القاموس الصرّة :- بالكسر : أشد الصياح، وبالفتح : الشدة من الكرب والحرن والحر والعطفة والجماعة وتغضيب الوجه. ه. ومحله النصب على الحال، أي فجاءت صارة، وقيل : صرتها : قولها :
يَا وَيْلَتَى ءَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ. . . [ هود : ٧٢ ] أو : فجاءت مغضّبة الوجه، كما هو شأن مَن يُخبر بشيء غريب، استبعاداً له، فصَكَّتْ وجهها لطمته ببسط يدها، وقيل : ضربت بأطراف أصابعها جبهتها، فعل المتعجِّب، وقالت عجوزٌ عقيم أي : إنها عجوز عاقر، فكيف ألد ؟ !.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : الإشارة بإبراهيم إلى القلب، وأضيافه : تجليات الحق، فنقول حينئذ : هل بلغك حديث إبراهيم القلب، حين يدخل عليه أنوار التجليات، مُسلِّمة عليه، فيُنكرها أول مرة، حيث لم يألف إلا رؤية حس الكائنات، فراغ إلى أهله : عوالمه، فجاء بعِجْل سمينٍ : النفس أو السِّوى، فقربّه إليهم، بذلاً لها في مرضاة الله، فقال : ألا تأكلون منها، لتذهب عني شوكتها ؛ إذ لا تثبت أنوار الشهود إلا بعد محق النفس وموتها، فأوجس منهم خيفة ؛ لأن صدمات التجلي تدهش الألباب، إلا مَن ثبته الله، قالوا : لا تخف، أي : لا تكن خوَّافاً، إذ لا ينال هذا السر إلا الشجعان، كما قال الجيلاني :

وإِيَّاكَ حَزْماً لا يَهُولُكَ أَمْرُها فَمَا نَالَهَا إلا الشُّجَاعُ المُقَارعُ
وبشَّروه بغلامٍ عليم وهو نتيجة المعرفة، من اليقين الكبير، والطمأنينة العظمى، فأقبلت النفس تصيح، وتقول : أألد هذا الغلام، من هذا القلب، وقد كبر على ضعف اليقين، وأنا عجوز، شِخْتُ في العوائد، عقيم من علوم الأسرار ؟ ! فتقول القدرة : كذلك قال ربك هو عليَّ هيِّن، أتعجبين من قدرة الله، " مَن استغرب أن يُنقذه الله من شهوته، وأن يُخرجه من وجود غفلته، فقد استعجز القدرة الإلهية، وكان الله على كل شيء مقتدراً " إنه هو الحكيم في ترتيب الفتح على كسب المجاهدة، العليم بوقت الفتح، وبمَن يستحقه. قال إبراهيم القلب أو الروح : فما خطبكم أيها التجليات، أو الواردات الإلهية، قالوا إنا أُرسلنا إلى قوم مجرمين وهم جند النفس، لنُرسل عليهم حجارة من طين ، مسومةً عند ربك للمسرفين، وهم الأذكار والأوراد والمجاهدات والرياضات والمعاملات المهلِكة للنفس وأوصافها، فأخرجنا مَن كان فيها من المؤمنين ، سالمين من الهلاك، وهو ما كان لها من الأوصاف الحميدة، والعلوم الرسمية، إذا لا تُخرِج المجاهدة إلا مَن كان مذموماً، فما وجدنا فيها من ذلك إلا النذر القليل ؛ إذ معاملة النفس جُلها مدخولة، وتركنا فيها آيةً من تزكية النفس، وتهذيب أخلاقها، للذين يخافون العذاب الأليم ، فيشتغلون بتزكيتها ؛ لئلا يلحقهم ذلك العذاب.

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير