ﯰﯱﯲ

الأمطار، والتظليل في الحر، ونحو ذلك مع ما فيه من الآيات؛ إذ هو يمسكه في الهواء حيث لا يقع بسوق الرياح مع ما فيه من الحمل والوقر، ثم يرسل المطر حيث أمر؛ إذ قد يوجد السحاب ولا مطر؛ دل أنه لم يرسل بنفسه، بل بالأمر يرفع ويمسك ويرسل، وهو في نفسه مُسَخَّر لا بد له من مُسَخِّر؛ إذ لو كان عمله بالطبع لم يختلف باختلاف الأحوال.
وفيه آيات البعث؛ إذ خلق مثله لا يكون إلا لعاقبة، وكذلك أقسم بالجاريات يسرا، وهي السفن؛ لما فيها من منافع الخلق؛ إذ لولاها لانقطع بعض المنافع عن الخلق؛ إذ ما يحتاج المرء من المنافع لا يوجد في مكان واحد؛ بل خلقها متفرقة في أماكن، فطريق تحصيل هذه المنافع والحوائج شيئان: الحمل على ظهور الدواب في البر، وفي السفن في البحار، مع ما فيها من الآية العظيمة بما جعلها بحيث لا تتسفل في الماء مع ثقل الأحمال بل تجري بها الريح حيثما شاءوا بأمر اللَّه تعالى.
والملائكة منافعهم عظيمة ظاهرة، وعظم قدرهم وجلالة خطرهم واضح.
وإذا كان كذلك، فكان القسم بهذه الأشياء؛ لتأكيد الخبر المقسم عليه مما يعقل، وهو متعارف، ولا معنى لقول أُولَئِكَ: إنه نهى عباده عن القسم بغيره، فكيف يقسم بنفسه؛ إذ يجوز أن يقسم هو بشيء ينهانا عن القسم به؛ إذ القسم بالشيء تبجيل لتلك الأشياء وتعظيمها، وأنها لا تستحق التعظيم بأنفسها، بل باللَّه تعالى، فأمرنا بالقسم باللَّه تعالى؛ إذ هو المستحق للتعظيم بنفسه في الحقيقة؛ إذ هو خالق الأشياء كلها، فأما القسم من الله تعالى بشيء ليس لتعظيم ذلك في نفسه، بل بيان منه قدر منافعه التي للخلق فيه، والتي عظمت، وجلت عندهم؛ فيكون لذكرها خطر عندهم، واللَّه أعلم.
ثم ذكر أفعال هذه الأشياء التي أقسم بها، ولم يذكر أنفسها، والقسم إنما يكون بالأنفس، لا بالأفعال، فأما إن عرف أُولَئِكَ الكفرة أنفس هذه الأشياء بذكر أفعالها وقت قرع ذكر هذه الأفعال سمعهم، وإذا لم يعرفوا يسألون عنها، وما أريد بها، واللَّه أعلم.
وقوله عَزَّ وَجَلَّ: (إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (٦) هذا موضع القسم، والصدق إنما يستعمل في الخبر، فكأنه قال: إن ما أخبركم الرسول بالبعث، أو وعدكم به، لصادق في خبره ووعده؛ إذ الوعد في الجملة مما قد يكون صدقا أو كذبا، فأكد هذا الوعد من الرسول بالقسم: إنه لصادق فيما وعد من البعث وغيره، وكذلك قوله تعالى: (وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ) موضع القسم: أن الجزاء لواقع كائن.
وقيل: إن المراد من الدِّين الحساب، أي: إن الحساب لكائن لا محالة، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (٧) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨) أقسم - أيضا - بالسماء

صفحة رقم 374

ذات الحبك، وموضع القسم: (إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ).
ثم اختلف في تأويل قوله تعالى: (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ):
روي عن ابن عَبَّاسٍ - رضي اللَّه عنهما -: (ذَاتِ الْحُبُكِ) قال: حسنها واستواؤها.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: ذات حبك، أي: ذات بنيان متقن محكم.
وكلا التأويلين يرجعان إلى واحد؛ فإن حسن خلق السماء بالإتقان والإحكام؛ يقال للحائك إذا أحسن النسج وأحكمه: حبك الثوب.
وقال الحسن: حبكت بالنجوم، وحبكت بحسن الخلق.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: ذات الشدة والاستواء، يقال: حبكت الحبل؛ إذا شددت قتله، كذلك قاله أبو عبيدة.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: (ذَاتِ الْحُبُكِ): ذات الطرائق، وكذلك قال أَبُو عَوْسَجَةَ.
ثم هو على ما ذكرنا من الوجهين: أن القسم بعين السماء، أو رب السماء، والله أعلم.
ثم قوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ) يخرج على وجوه:
أحدها: إنكم لفي قول مختلف في رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -، وفي القرآن، ما لو كان ذلك القول منكم عن علم ومعرفة؛ لم يخرج مختلفا متناقضا؛ لأنهم قالوا في رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: إنه مجنون، وإنه ساحر، وإنه شاعر، وإنه مفترٍ؛ وهذا مختلف متناقض؛ لأن الساحر هو الذي يبلغ في معرفة الأشياء غايتها، وكذا الشاعر، ولا يحتمل أن يبلغ المجنون ذلك المبلغ بحال؛ فيكون نسبتهم إياه إلى هذه الجملة في حال واحدة يخرج على التناقض، وكذلك قولهم في القرآن: إنه أحاديث الأولين، وإنه مفترى، والافتراء خلاف الأساطير، مع أنهم عجزوا عن إتيان مثله؛ فيكون هذا تناقضًا في القول؛ فدل اختلافهم في القول فيهما على أنهم قالوا ذلك عن جهل، لا عن علم؛ إذ لو كان عن علم بذلك، لكان لا يختلف ولا يتناقض، وهذا الخطاب على هذا التأويل يكون للكفرة.
والثاني: إنما قال ذلك في الدلالة على البعث: (إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ) أي: في عقولكم الاختلاف والافتراق بين المصلح والمفسد، والمحسن والمسيء، وقد عرفتم الاستواء

صفحة رقم 375

تأويلات أهل السنة

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي

تحقيق

مجدي محمد باسلوم

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان
سنة النشر 1426
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية