قوله :«كَذَلِكَ » فيه وجهان :
أظهرهما : أنه خبر مبتدأ محذوف أي الأمرُ١ مِثْلُ ذلك، ( قال الزمخشري )٢ : والإشارة بذلك٣ إلى تكذيبهم الرسول وتسميته ساحراً ومجنوناً٤. ثم فسَّر ما أجمل بقوله :«مَا أَتى ».
والثاني : أن الكاف في محل نصب نعتاً لمصدر محذوف. قاله مكي٥. ولم يبين تَقْدِيرَهُ. ولا يصح أن ينتصب بما بعده لأجل ما النافية. وأما المعنى فلا يمتنع، ولذلك قال الزمخشري : ولا يصح أن يكون الكاف منصوبة ب «أَتَى » لأن ما النافية لا يعمل ما بعدها فيما قبلَها ؛ ولو قيل : لم يأت لكان صحيحاً٦، يعني لو أتى في موضع «مَا » ب «لم » لجاز أن ينتصب الكاف ب «أَتَى » لأن المعنى يسوغ عليه، والتقدير : كَذَّبَتْ قُرَيْشٌ تكذيباً مِثْلَ تَكْذِيبِ الأُمَم السَّابِقَة رُسُلَهُمْ. ويدل عليه قوله : مَا أَتَى الذين مِن قَبْلِهِمْ الآية.
قوله : إِلاَّ قَالُواْ الجملة القولية في محل نصب على الحال من : الذين مِن قَبْلِهِمْ و«مِنْ رَسُولٍ » فاعل :«أتى » كأنه قيل : ما أتى الأولينَ رسولٌ إلاَّ في حال قولهم : هُوَ سَاحِرٌ.
فإن قيل : إن من الأنبياء من قرر دين النبي الذي كان قبله وبقي القوم على ما كانوا عليه كأنبياء بني إسرائيل وكيف وآدم لما أرسل لَمْ يُكَذّبْ ؟ !.
فالجواب : أنا لا نسلم أن المقرر رسول، بل هو نبي على دين رسولٍ ومن كَذَّب رَسُولَه فهو يكذبه أيضاً ضرورةً.
فإن قيل : قوله : ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا يدل على أنهم كلّهم قالوا : ساحر والأمر ليس كذلك لأن ما مِنْ رسول إلا وآمن به قومٌ وهم ما قالوا ذلك !.
فالجواب : أن ذلك ليس بعَامٍّ، فإنه لم يقل : إلا قال كلهم وإنما قال :«إلاَّ قَالوا » ولما كان كثير منهم قابلينَ ذلك قال الله تعالى : إِلاَّ قَالُوا.
فإن قيل : لِمَ لمْ يذكر المصدّقين كما ذكر المُكَذّبين، وقال : إِلاَّ بَعْضُهُمْ صدقتَ وبعضهم كذبتَ ؟.
فالجواب : لأن المقصود التسلية وهي على التكذيب، فكأنه تعالى قال : لا تأسَ على تكذيب قومِكَ، فإن أقواماً قبلك كَذّبوا ورسلاً كُذّبُوا.
٢ سقط من الأصل..
٣ في الكشاف: "وذلك إشارة"..
٤ الكشاف ٤/٢٠..
٥ مشكل الإعراب ٢/٣٢٥ و٣٢٦ كما قال بالأول أيضا..
٦ الكشاف السابق..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود