تفسير المفردات : والمسجور : أي الموقد المحمى، من سجر النار أي أوقدها وعنى به باطن الأرض وهو الذي دل عليه الكشف الحديث ولم تعرفه الأمم قديما، وقد أشارت إليه الأحاديث، فعن عبد الله بن عمر :( لا يركبن رجل البحر إلا غازيا أو معتمرا أو حاجا، فإن تحت البحر نارا، وتحت النار بحرا ).
وقد أثبت علماء طبقات الأرض ( الجيولوجيا ) أن الأرض كلها كبطيخة وقشرتها كقشرة البطيخة ؛ أي إن نسبة قشرة الأرض إلى النار التي في باطنها كنسبة قشرة البطيخة إلى باطنها الذي يؤكل، فنحن الآن فوق نار عظيمة : أي فوق بحر مملوء نارا، وهذا البحر مغطى من جميع جهاته بالقشرة الأرضية المحكمة السد عليه، ومن حين إلى آخر تتصاعد من ذلك البحر نار تظهر في الزلازل والبراكين كبركان فيزوف الذي هاج بإيطاليا سنة ١٩٠٩م وابتلع مدينة مسينا، والزلزلة التي حدثت باليابان سنة ١٩٢٥ م وخربت مدنا بأكملها.
المعنى الجملي : أقسم سبحانه بمخلوقاته العظيمة، الدالة على كمال قدرته، وبديع صنعته، وعد منها أماكن ثلاثة : الطور، والبيت المعمور، والبحر المسجور - لأنبياء ثلاثة كانوا ينفردون للخلوة بربهم، والخلاص من الخلق لمناجاة الخالق، فانتقل موسى إلى الطور وخاطب ربه وقال : أتهلكنا بما فعل السفهاء منا ( الأعراف : ١٥٥ )وقال : رب أرني أنظر إليك ( الأعراف : ١٤٣ ) وانتقل محمد إلى البيت المعمور وناجى ربه وقال :( سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك )، وكلم يونس ربه في البحر وقال : لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ( الأنبياء : ٨٧ ).
وقرن الكتاب بالطور لأن موسى كان ينزل عليه الكتاب وهو به، وقرن السقف المرفوع بالبيت المعمور ليعلم عظمة شأن محمد صلى الله عليه وسلم، وأقسم بكل هذا على أن العذاب يوم القيامة نازل بأعدائه الذين يخوضون في الباطل ويتخذون الدين هزوا ولعبا، فيدفعون إلى النار دفعا عنيفا ويقال لهم : هذه هي النار التي كنتم بها تكذبون، ادخلوها وقاسوا شدائدها، وسواء عليكم أجزعتم أم صبرتم ما لكم منها مهرب ولا خلاص.
الإيضاح : والبحر المسجور أي والبحر المحبوس من أن يفيض فيغرق جميع ما على الأرض ولا يبقي ولا يذر من حيوان ونبات، فيفسد نظام العالم وتعدم الحكمة التي لأجلها خلق.
وقد يكون المعنى : والبحر الموقد في باطن الأرض بمنزلة التنور المحمى، وقد بينا هذا فيما سبق.
تفسير المراغي
المراغي