ﮂﮃﮄﮅﮆ

قوله :«مَا كَذَبَ » قرأ هشامٌ وأبو جَعْفَر بتشديد الذال والباقون بتخفيفها١.
فأما الأولى فإن معناها أن ما رآه محمد بعينه صدَّقه قلبهُ ولم ينكره أي لم يقل : لم أعرفْكَ و( ما ) مفعول به موصولة والعائد محذوف ففاعل ( رأى ) ضمير يعود على النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وأما قراءة التخفيف فقيل كذلك. و«كَذَبَ » يتعدى بنفسه وقيل : هو على إسقاط الخافض أي فيما رآه قاله مكي٢ وغيره٣ فأسقط حرف الصفة، قال حسان :

لَوْ كُنْتِ صَادِقَة الَّذِي حَدَّثْتِنِي لَنَجوْتُ مَنْجَى الحَارِثِ بْنِ هِشَامِ٤
أي في الذي حدثتني.
وجوز في ( ما ) وجهين٥ آخرين :
أحدهما : أن يكون بمعنى الذي.
والثاني : أن تكون مصدرية ويجوز أن يكون فاعل ( رأى ) ضميراً يعود على الفؤاد أي لم يشك قلبه فيما رآه بعَيْنِهِ٦.

فصل


قال الزمخشري معناه : أن قلبه لم يكذب وما قال إن من يراه بصرك ليس بصحيح ولو قال فؤاده ذلك لكان كاذباٌ فيما قاله٧ فما كذب الفؤاد. هذا على قراءة التخفيف، يقال : كَذَبَهُ إِذَا قال له الكَذِبَ.
وأما قراءة التشديد فمعناه ما قال : إن المرئيَّ خيالٌ لا حقيقةٌ٨.
وأما الرائي فقيل : هو الفؤاد كأنه تعالى قال : ما كذب الفؤادُ ما رآه الفؤاد أي لم يقل : إنه هاجس شيطان بل تيقن أن ما رآه بفؤاده صدق صحيح. وقيل : الرائي هو البصر أي ما كذب الفؤاد ما رآه البصر خيال. وقيل : ما كذب الفؤاد وما رأى محمد - عليه الصلاةُ والسلامُ - وعلى هذا فالمراد بالفؤاد الجنس ؛ أي القلوب شهدت بصحة ما رآه محمد - صلى الله عليه وسلم -.
وأمَّا المرئي فقيل : هو الرب تعالى. وقيل : جبريل - عليه الصلاة والسلام - وقيل : الآيات العجيبةُ الإلهيَّة. فالقائل بأن المرئي جبريل - عليه الصلاة والسلام - هو ابنُ مسعودٍ وعائشةُ - رضي الله عنهما - ومن قال بأن المرئيَّ هو الله تعالى اختلفوا في معنى الرؤية، فقال بعضهم : جعل بصره في فؤاده فرآه بفؤاده. وهو قول ابن عباس، قال : رآه بفؤاده مرتين مَا كَذَبَ الفؤاد مَا رأى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أخرى . وقال أنس والحسن وعكرمة : رأى محمدٌ ربَّه بعينيه. وروى عكرمة عن ابن عباس ( رضي الله٩ عنهما ) قال :«إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى إبْرَاهيمَ بالخلَّةِ، واصْطَفَى مُوسَى بالكَلاَم، واصْطَفَى مُحَمَّداً بالرُّؤْيَةِ - صلى الله عليه وسلم ». وكانت عائشة - رضي الله عنها - تقول : لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم - ربه. وتحمل الرؤية على رؤية جبريل. وقال مسروق : قلت لعائشة : يا أمَّتاه هل رأى محمدٌ رَبَّه ؟ فقالت : لقد قفَّ شعري لما قلت أين أنت من ثلاث من حَدَّثَكَهُنَّ فَقَدْ كَذَبَ، من حَدَّثَكَ أنَّ محمداً رأى ربه فقد كذب، ثم قرأتْ : لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصار وَهُوَ اللطيف الخبير [ الأنعام : ١٠٣ ] وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ الله إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ [ الشورى : ٥١ ] ومن حَدَّثَك أنه يَعْلم مَا في غَدٍ فقد كَذَب ثم قرأت : وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً [ لقمان : ٣٤ ] ومن حدّثك أنه كَتَم شيئاً مما أنْزل الله فقد كذب ثم قرأت : يا أيها الرسول بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ الآية [ المائدة : ٦٧ ] ولكنه رأى جبريل في صورته مرتين. وروى أبو ذر قال :«سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : هل رأيت ربك قط ؟ قال : نُورٌ أنَّى أَرَاهُ »١٠.
١ وهي سبعية متواترة. وانظر الكشف ٢/٢٩٤..
٢ المشكل له ٢/٣٣١..
٣ كأبي حيان في البحر ٨/١٥٨، والقرطبي في الجامع ١٧/٩٣..
٤ من الكامل له –رضي الله عنه- وهو في القرطبي ١٧/٩٣ وإعجاز القرآن للباقلاني ١٨٠. وشاهده: أن ما موصولة قد حذف حرف الجر الداخل عليها كما أخبر هو أعلى في التقدير، و"ما" هنا قبل التقدير في موضع نصب على نزع الخافض..
٥ كذا في النسختين بالنصب فإن كان يقصد مكيًّا فهو كذب أو تكرير حيث تحدث قبل عن موصولية "ما"، وإن كان يقصد الرفع على نائب الفاعل فإن الكلمة تصبح خطأ..
٦ وانظر المشكل لمكي السابق ٢/٣٣١ والتبيان ١١٨٧..
٧ باللفظ من الرازي ٢٨/٢٨٩ وبالمعنى من الكشاف ٤/٢٩..
٨ وهو قول الرازي في مرجعه السابق..
٩ زيادة من (أ)..
١٠ وانظر في هذه الآثار تفسيري البغوي والخازن لباب التأويل ومعالم التنزيل ٦/٢٥٧ إلى ٢٥٩..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية