ﯼﯽﯾﯿﰀ

ألا تزر أي لا تحمل نفس وازرة نفس حاملة وزر نفس أخرى يعني لا يؤخذ نفس بأثم غيره أن مخففة من الثقيلة اسمها ضمير الشأن محذوف والجملة خبره وهي مع اسمها وخبرها في محل الجر بدلا مما في صحف موسى أو الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو كأنه قيل ما في صحفها فأجاب به. قال البغوي روى عكرمة عن ابن عباس قال كانوا قبل إبراهيم يأخذون الرجل بذنب غيره وكان الرجل يقتل أبيه وابنه وأخيه وامرأته وعبده حتى جاء إبراهيم فنهاهم عن ذلك وبلغهم عن الله أن لا تزر وازرة وزر أخرى قلت : لم يكن ذلك حكما شرعيا بل حكما جاهليا كما كان قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم أيضا في الأوس والخزرج كان أحد الحيين شريفا ذا ثروة من الأخرى فكانوا يقتلون بامرأة من الشريف رجلا من الآخر وبعبد حر أو بواحد اثنين حتى نزلت الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ١
وقد ذكرنا القصة في سورة البقرة وهذه الآية لا يخالف قوله تعالى : كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ٢ وقوله صلى الله عليه وسلم ( من سن سنة سيئة فعله وزرها ووزر من عمل بها على يوم القيامة } ٣ أخرجه أحمد ومسلم من حديث جرير رضي الله ابن عبد الله رضي الله عنه فإن ذلك للدلالة والتسبب الذي هو وزره ولذا ورد في الحديث ( من غير أن ينقص من أوزارهم شيئا ) وكذا قوله تعالى : واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ٤ وقوله صلى الله عليه وسلم ( إذا أنزل الله بقوم عذابا أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على أعمالهم )٥ متفق عليه من حديث ابن عمر محمول على ترك الأمر بالمعروف نحو قوله صلى الله عليه وسلم ( إن الناس إذا رأو الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب )٦ رواه أصحاب السنن الأربعة من حديث أبي بكر الصديق مسألة اختلف أقوال السلف في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه وقد ورد في الصحيحين عن عبد الله ابن مليكة قال توفيت بنت لعثمان ابن عفان بمكة فجئنا نشهد وحضر ابن عمر وابن عباس فقال ابن عمر لعمر ابن عثمان وهو مواجهة ألا تنتهي عن البكاء فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه )٧ فقال ابن عباس قد كان يقول بعض ذلك ثم حدث وقال لما أن أصيب عمر دخل صهيب يبكي يقول واأخاه واصحباه فقال عمر يا صهيب أتبكي على وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إن الميت ليعذب ببعض بكاء أهله عليه ) فقال ابن عباس فلما مات عمر ذكرت ذلك لعائشة فقالت يرحم الله عمر لا والله ما حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه ولكن إن الله يزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه وقالت عائشة حسبكم القرآن ولا تزر وازرة وزر أخرى قال ابن عباس عند ذلك والله أضحك وأبكى قال ابن أبي مليكة فما قال ابن عمر شيئا قلت وتخطئة عائشة عمر رضي الله عنها ضعيف وقد كان عمر أفقه من عائشة وكان شهادة الإثبات وتأيد حديث عمر بأحاديث أخر منها حديث المغيرة ابن شعبة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :( من نيح عليه فإنه يعذب بما نيح عليه )٨ ومنها حديث أبي بكر الصديق عن النبي صلى الله عليه وسلم أخرجه أبو يعلى بلفظ :( الميت ينضج عليه الحميم ببكاء الحي ) ومنها حديث أنس وعمران ابن حصين عند ابن حبان في صحيحه وحديث سمرة ابن جندب عند الطبراني في الكبير وحديث أبي هريرة عند أبي يعلى فظهر أن الحديث صحيح بقي الكلام في تعارض الحديث بقوله تعالى : ولا تزر وازرة وزر أخرى فقال بعض العلماء إن التعذيب بالبقاء مختص بالكافر أو ممن أوصى به لا بسبب البكاء والباء للحال أي يعذب حال بكائهم عليه والقولان عن عائشة لا يصحان لأن القول باختصاص التعذيب بالكافر لا يدفع التعارض لأن قوله تعالى ولا تزر وازرة وزر أخرى يعم المؤمن والكافر وألفاظ الحديث ببعض طرقها يأبى عن كون الباء للحال ألا ترى أن قوله ( ينضج الحميم بالبكاء الحي ) صريح في التعذيب في الآخرة فإن الحميم إنما هو الجحيم لا في الغير فكف يتحد زمان التعذيب زمان البكاء الحي فلا يتصور كونه حالا، وقيل المراد بالتعذيب توبيخ الملائكة له بما يندب به أهله الحديث الترمذي والحاكم وابن ماجه مرفوعا ( ما من ميت يموت فتقوم نادبة فتقول واجبلاه واسيداه شبه ذلك من القول إلا وكل به ملكان يلهزانه وهكذا كنت ) ٩ قلت وهذا التأويل أيضا لا يدفع التعارض فإن التوبيخ بفعل غيره أيضا مما يمنعه لا تزر وازرة وزر أخرى وقيل المراد بالتعذيب تألم الميت بما يقع من أهله الحديث الطبراني وابن أبي شيبة عن قيلة بنت محترمة أنها ذكرت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ولدا لها مات ثم بكت رسول الله صلى الله عليه وسلم :( أيغلب أحدكم أن يصاحب صويحية فيا عباد الله لا تعذبوا أمواتكم ) وهذا القول عليه ابن جرير وما اختاره الأئمة آخرهم ابن تيمية وأخرج سعيد ابن منصور عن ابن مسعود أنه رأى نسوة في جنازة فقال ارجعن مأزورات غير مأجورات إنكن تفتن الأحياء وتؤذين الأموات، والقول الصحيح في دفع التعارض أن الحديث فيمن كان النوح من سنته أو فيمن أوصى به أو فيمن لم يوص بتركه إذا علم أن من شأن أهله أنهم يفعلون فيكون التعذيب على وزره دون وزر غيره واختار البخاري هذا القول

١ ورة البقرة الآية ١٧٨.
٢ ورة المائدة الآية ٣٢.
٣ خرجه مسلم في كتاب: الزكاة باب: الحث على الصدقة ولو بشق تمرة أو كلمة طيبة وأنها حجاب من النار {١٠١٧):.
٤ ورة الأنفال الآية ٢٥:.
٥ أخرجه البخاري في كتاب: الفتن باب إذا أنزل الله بقوم عذابا {٧١٠٨) وأخرجه مسلم في كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها باب: الأمر بحسن الظن بالله تعالى عند الموت {٢٨٧٩).
٦ أخرجه الترمذي في كتاب الفتن باب: ما جاء في نزول العذاب إذا لم يغير المنكر {٢١٦٧) وأخرجه أبو داود في كتاب الملاحم باب: الأمر والنهي {٤٣٢٩) وأخرجه ابن ماجه في كتاب الفتن باب: الأمر بالمعروف والنهي عنا لمنكر {٤٠٠٥).
٧ أخرجه البخاري في كتاب: الجنائز باب: ما يرخص من البكاء من غير نوح {١٢٨٦) وأخرجه مسلم في كتاب الجنائز باب: الميت يعذب ببكاء أهله عليه {٩٢٧.
٨ أخرجه البخاري في كتاب: الجنائز باب: ما يكره من النياحة على الميت {١٢٩١) وأخرجه مسلم في كتاب: الجنائز باب: الميت يعذب ببكاء أهله عليه {٩٣٣).
٩ خرجه الترمذي في كتاب الجنائز باب: ما جاء في كراهية البكاء على الميت {٩٩٧).

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير