ﮧﮨﮩﮪ

وَتَقْدِيمُ الْمَجْرُورِ لِلْقَصْرِ، أَيْ هَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ أَهْلًا لِأَنْ تُقَابِلُوهُ بِالضَّحِكِ وَالِاسْتِهْزَاءِ وَالتَّكْذِيبِ وَلَا لِأَنْ لَا يَتُوبَ سَامِعُهُ، أَيْ لَوْ قَابَلْتُمْ بِفِعْلِكُمْ كَلَامًا غَيْرَهُ لَكَانَ لَكُمْ شُبْهَةٌ فِي فِعْلِكُمْ، فَأَمَّا مُقَابَلَتُكُمْ هَذَا الْحَدِيثَ بِمَا فَعَلْتُمْ فَلَا عُذْرَ لكم فِيهَا.
[٦٢]
[سُورَة النَّجْم (٥٣) : آيَة ٦٢]
فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢)
تَفْرِيعٌ عَلَى الْإِنْكَارِ وَالتَّوْبِيخِ الْمُفَرَّعَيْنِ عَلَى الْإِنْذَارِ بِالْوَعِيدِ، فَرَّعَ عَلَيْهِ أَمْرَهُمْ بِالسِّجُودِ لِلَّهِ لِأَنَّ ذَلِكَ التَّوْبِيخَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَعْمُقَ فِي قُلُوبِهِمْ فَيَكُفَّهُمْ عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الْبَطَرِ وَالِاسْتِخْفَافِ بِالدَّاعِي إِلَى اللَّهِ. وَمُقْتَضَى تَنَاسُقِ الضَّمَائِرِ أَنَّ الْخِطَابَ فِي قَوْلِهِ: فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا مُوَجَّهٌ إِلَى الْمُشْرِكِينَ.
وَالسُّجُودُ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْخَشْيَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ [الرَّحْمَن: ٦]. وَالْمَعْنَى: أَمَرَهُمْ بِالْخُضُوعِ إِلَى اللَّهِ وَالْكَفِّ عَنْ تَكْذِيبِ رَسُولِهِ وَعَنْ إِعْرَاضِهِمْ عَنِ الْقُرْآنِ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ اسْتِخْفَافٌ بِحَقِّ اللَّهِ وَكَانَ عَلَيْهِمْ لَمَّا دُعُوا إِلَى اللَّهِ أَنْ يَتَدَبَّرُوا وَيَنْظُرُوا فِي دَلَائِلِ صِدْقِ الرَّسُولِ وَالْقُرْآنِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ سُجُودَ الصَّلَاةِ وَالْأَمْرُ بِهِ كِنَايَةٌ عَنِ الْأَمْرِ بِأَنْ يُسْلِمُوا فَإِنَّ الصَّلَاةَ شِعَارُ الْإِسْلَامِ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ [المدثر: ٤٢، ٤٣]، أَيْ مِنَ الَّذِينَ شَأْنُهُمُ الصَّلَاةُ وَقَدْ جَاءَ نَظِيرُهُ الْأَمْرُ بِالرِّكُوعِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ فِي سُورَةِ الْمُرْسَلَاتِ [٤٨] فَيَجُوزُ فِيهِ الْمَحْمَلَانِ.
وَعَطَفَ عَلَى ذَلِكَ أَمْرَهُمْ بِعِبَادَةِ اللَّهِ لِأَنَّهُمْ إِذَا خَضَعُوا لَهُ حَقَّ الْخُضُوعِ عَبَدُوهُ وَتَرَكُوا عِبَادَةَ الْأَصْنَامِ وَقَدْ كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ بِالطَّوَافِ حَوْلَهَا وَمُعْرِضِينَ عَنْ عِبَادَةِ اللَّهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ عَمَدُوا إِلَى الْكَعْبَةِ فَوَضَعُوا فِيهَا الْأَصْنَامَ لِيَكُونَ طَوَافُهُمْ بِالْكَعْبَةِ طَوَافًا بِمَا فِيهَا مِنَ الْأَصْنَامِ.
أَوِ الْمُرَادُ: وَاعْبُدُوهُ الْعِبَادَةَ الْكَامِلَةَ وَهِيَ الَّتِي يُفْرَدُ بِهَا لِأَنَّ إِشْرَاكَ غَيْرِهِ فِي

صفحة رقم 161

الْعِبَادَةِ الَّتِي لَا يَسْتَحِقُّهَا إِلَّا هُوَ كَعَدَمِ الْعِبَادَةِ إِذِ الْإِشْرَاكُ إِخْلَالٌ كَبِيرٌ بِعِبَادَةِ اللَّهِ قَالَ تَعَالَى: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً [النِّسَاء: ٣٦].
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ أَنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ النَّجْمَ فَسَجَدَ فِيهَا- أَيْ عِنْدِ قَوْلِهِ:
فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا- وَسَجَدَ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ إِلَّا شَيْخًا مُشْرِكًا (هُوَ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ) أَخَذَ كَفًّا مِنْ تُرَابٍ أَوْ حَصًى فرفعه إِلَى جِهَته وَقَالَ: يَكْفِينِي هَذَا.
وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَانَا يَسْجُدَانِ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ فِي الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ.
وَفِي «أَحْكَامِ» ابْنِ الْعَرَبِيِّ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ سَجَدَ فِيهَا،
وَفِي «الصَّحِيحَيْنِ» و «السّنَن» عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَرَأَتُ النَّجْمَ عِنْدَ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا.
وَفِي «سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ» عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ «سَجَدْتُ مَعَ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِحْدَى عَشْرَةَ سَجْدَةً لَيْسَ فِيهَا مِنَ الْمُفَصَّلِ شَيْءٌ»
. وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: كَانَ آخِرُ فِعْلِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرْكَ السُّجُودِ فِي الْمُفَصَّلِ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:
أَنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْجُدْ فِي الْمُفَصَّلِ مُنْذُ تَحَوَّلَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَسُورَةُ النَّجْمِ مِنَ الْمُفَصَّلِ.
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي السُّجُودِ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ مَالِكٌ: سَجْدَةُ النَّجْمِ لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ الْقُرْآنِ (أَيْ لَيْسَتْ مِمَّا يُسَنُّ السُّجُودُ عِنْدَهَا. هَذَا مُرَادُهُ بِالْعَزَائِمِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ مِنْ سُجُودِ الْقُرْآنِ عَزَائِمَ وَمِنْهُ غَيْرَ عَزَائِمَ فَ (عَزَائِمُ) وَصْفٌ كَاشِفٌ) وَلَمْ يَرَ سُجُودَ الْقُرْآنِ فِي شَيْءٍ مِنَ الْمُفَصَّلِ، وَوَافَقَهُ أَصْحَابُهُ عَدَا ابْنِ وَهْبٍ قَرَأَهَا مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ، هِيَ وَسَجْدَةُ سُورَةِ الِانْشِقَاقِ وَسَجْدَةُ سُورَةِ الْعَلَقِ مِثْلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَفِي «الْمُنْتَقَى» : أَنَّهُ قَوْلُ ابْنِ وَهْبٍ وَابْنِ نَافِعٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هِيَ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ. وَنَسَبَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي «أَحْكَامِ الْقُرْآنِ» مِثْلَهُ إِلَى الشَّافِعِيِّ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ فِي كُتُبِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
وَإِنَّمَا سَجَدَ النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ فِي قَوْلِهِ: فَاسْجُدُوا مُفَرَّعًا عَلَى خِطَابِ
الْمُشْرِكِينَ بِالتَّوْبِيخِ، لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ أَوْلَى بِالسِّجُودِ لِلَّهِ وَلِيُعَضَّدَ الْأَمْرُ الْقَوْلِيُّ بِالْفِعْلِ لِيُبَادِرَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ. وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ مُذَكِّرًا لِلْمُشْرِكِينَ بِالسِّجُودِ لِلَّهِ

صفحة رقم 162

فَسَجَدُوا مَعَ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ نُسِخَ السُّجُودُ فِيهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَلَمْ يُرْوَ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، وَلِخَبَرِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَعَمَلِ مُعظم أَصْحَاب النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ.

صفحة رقم 163

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

٥٤- سُورَةُ الْقَمَرِ
اسْمُهَا بَيْنَ السَّلَفِ «سُورَةُ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ».
فَفِي حَدِيثِ أَبِي وَاقَدٍ اللَّيْثِيِّ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأُ بِقَافٍ وَاقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ فِي الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى»
، وَبِهَذَا الِاسْمِ عَنْوَنَ لَهَا الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ.
وَتُسَمَّى «سُورَةَ الْقَمَرِ» وَبِذَلِكَ تَرْجَمَهَا التِّرْمِذِيُّ. وَتُسَمَّى «سُورَةَ اقْتَرَبَتْ» حِكَايَةً لِأَوَّلِ كَلِمَةٍ فِيهَا.
وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَعَنْ مُقَاتِلٍ: أَنَّهُ اسْتَثْنَى مِنْهَا قَوْلَهُ تَعَالَى: أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ إِلَى قَوْله: وَأَمَرُّ [الْقَمَر: ٤٤- ٤٦]، قَالَ: نَزَلَ يَوْمَ بَدْرٍ (وَلَعَلَّ ذَلِكَ مِنْ أَنَّ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ يَوْمَ بَدْرٍ).
وَهِيَ السُّورَةُ السَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ فِي تَرْتِيبِ نُزُولِ السُّوَرِ عِنْدَ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ الطَّارِقِ وَقَبْلَ سُورَةِ ص.
وَعدد آيها خَمْسٌ وَخَمْسُونَ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعَدَدِ.
وَسَبَبُ نُزُولِهَا مَا
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «سَأَلَ أَهْلُ مَكَّةَ النَّبِيءَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آيَةً فَانْشَقَّ الْقَمَرُ بِمَكَّةَ فَنَزَلَتِ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ إِلَى قَوْلِهِ: سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ
[الْقَمَر: ١، ٢].
وَفِي «أَسْبَابِ النُّزُولِ»
لِلْوَاحِدِيِّ بِسَنَدِهِ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ قُرَيْشٌ هَذَا سِحْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ سَحَرَكُمْ، فَسَأَلُوا السُّفَّارَ، فَقَالُوا:
نَعَمْ قَدْ رَأَيْنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ
[الْقَمَرُ: ١] الْآيَاتِ.

صفحة رقم 165

تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

محمد الطاهر بن عاشور

الناشر الدار التونسية للنشر
سنة النشر 1403
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية