ﭶﭷﭸﭹﭺ

فَإِن قيل: مَا معنى قَوْله: فَكَانَ قاب قوسين أَو أدنى [و] " أَو " كلمة تشكيك، وَلَا يجوز الشَّك على الله تَعَالَى. وَإِن كَانَ بِمَعْنى الْوَاو، فَكَانَ يَنْبَغِي أَن يَقُول: فَكَانَ مِنْهُ أدنى من قاب قوسين، وَأَيْضًا فقد قَالَ: قاب قوسين أَو أدنى وَأي معنى لذكر القوسين هَاهُنَا وتخصيصهما بِالذكر، وَقد كَانَ يُمكنهُ تمثيله وتشبيهه بِشَيْء وَاحِد غير الْقوس فَلَا يحْتَاج إِلَى ذكر القوسين؟ وَالْجَوَاب: أَن الْقُرْآن نزل بلغَة الْعَرَب على مَا كَانُوا يتخاطبون بِهِ، وَيفهم بَعضهم من بعض، فعلى هَذَا

صفحة رقم 286

نزلت الْآيَة، إِنَّكُم لَو رَأَيْتُمُوهُ لقلتم إِن الْقرب الَّذِي بَينهمَا قاب قوسين أَو أدنى أَو أنقص، وَقيل: أَزِيد أَو أنقص، وَأما ذكر الْقوس فَهُوَ على مَا كَانُوا يعتادونه، وَقرب الْقوس من الْوتر مَعْلُوم. وَيُقَال: إِن القوسين هَاهُنَا بِمَعْنى الْقوس الْوَاحِد، وَقد ذكرنَا أَن الشَّيْء الْوَاحِد يذكر بِلَفْظ التَّثْنِيَة. وَالظَّاهِر أَن المُرَاد مِنْهُ القوسان على الْحَقِيقَة، وَهُوَ غير مستنكر فِي لُغَة الْعَرَب، وَلَا يستبعد.
القَوْل الثَّانِي فِي الْآيَة: أَن قَوْله: ثمَّ دنا أَي: دنا مُحَمَّد من ربه.
وَقَوله: فَتَدَلَّى أَي: زَاد فِي الدنو. وَفِي رِوَايَة مَالك بن صعصعة أَن النَّبِي [قَالَ] :" بَينا أَنه قَاعد إِذْ أَتَانِي جِبْرِيل فلكزني بَين كَتِفي، فَقُمْت فَإِذا شَجَرَة عَلَيْهَا شبه وكرين، فَجَلَست فِي أَحدهمَا، وَجلسَ جِبْرِيل فِي الآخر، وارتفعنا إِلَى السَّمَاء، وَرَأَيْت نورا عَظِيما، وَنظرت فَإِذا جِبْرِيل كالحلس فَعرفت فضل خَشيته على خَشْيَتِي، ولط دُوننَا الْحجاب ". وَفِي بعض الرِّوَايَات قَالَ: " فارقني جِبْرِيل، وهدأت الْأَصْوَات، وَسمعت من رَبِّي: ادن يَا مُحَمَّد ". وَقد ذكر هَذَا اللَّفْظ فِي الصَّحِيح، وَهُوَ دنو مُحَمَّد من ربه لَيْلَة الْمِعْرَاج.
وَالْقَوْل الثَّالِث: أَن معنى قَوْله: ثمَّ دنا أَي: دنا الرب من مُحَمَّد، وَهُوَ لفظ ثَابت أَيْضا، وَهُوَ على مَا شَاءَ الله.
وَقَوله: فَتَدَلَّى أَي: زَاد فِي الدنو، وَالْمَعْرُوف عِنْد الْأَكْثَرين القَوْل الأول، وَهُوَ الأسلم.

صفحة رقم 287

{فَأوحى إِلَى عَبده مَا أوحى (١٠) مَا كذب الْفُؤَاد مَا رأى (١١)

صفحة رقم 288

تفسير السمعاني

عرض الكتاب
المؤلف

أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار المروزي السمعاني الشافعي

تحقيق

ياسر بن إبراهيم

الناشر دار الوطن، الرياض - السعودية
سنة النشر 1418 - 1997
الطبعة الأولى، 1418ه- 1997م
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية