ﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘ

قوله : وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُّسْتَمِرٌّ ، أي ذاهب سوف يذهب ويبطل من قولهم : مَرَّ الشَّيْءُ واسْتَمَرَّ إذا ذهب مثل قولهم : قَرَّ واسْتَقَرَّ. قال مجاهد وقتادة : مَنّوا أنفسهم بذلك. وقيل : مستمر أي دائم ؛ فإن محمداً - عليه الصلاة والسلام - كان يأتي كل زمان ومكان بمعجزة فقالوا هذا سحر مستمر دائم، لا يختلف بالنسبة إلى شيء بخلاف سِحْر السَّحَرَة، فإن بعضهم يقدر على أمر وأمرين، وثلاثة، ويعجز عن غيرها وهو قادر على الكل. قاله الزمخشري(١). ومنه قول الشاعر :

أَلاَ إِنَّمَا الدُّنْيَا لَيَالٍ وَأَعْصُرٌ وَلَيْسَ عَلَى شَيْءٍ قَوِيمٍ بِمُسْتَمِرْ(٢)
أي بدائم باقٍ. وقيل : معناه شديد المرارة. قال الزمخشري : أي مستبشع عندنا مرّ على لهواتنا لا نقدر أن نَسِيغَه كما لا نَسيغُ(٣) المُرَّ. انتهى.
يقال : مَرَّ الشَّيْءُ بنفسه وَمرَّهُ غَيْرُهُ ؛ فيكون متعدياً ولازماً، ويقال : أَمَرَّهُ أيضاً.
وقال أبو العالية والضحاك : مستمر أي قويّ شديد، من قولهم : مَرَّ الحَبْل إذا صلب واشتد، وأَمْرَرْتُهُ إذا أحكمت فَتْلَهُ، واسْتَمرَّ إذا قَوِيَ واسْتَحكَمَ، قال لقيط - ( رحمةُ اللَّهِ(٤) عليه - ) :
حَتَّى اسْتَمَرَّتْ عَلَى شَزْرٍ مَرِيرَتُهُ صِدْقُ(٥) الْعَزِيمَةِ لاَ رَتًّا وَلاَ ضَرَعا(٦)
والمراد بقوله :«آيةً » هي اقتراب الساعة، فإن انشقاق القمر من آياته، وقد رأوه(٧) وكذبوا فإن يروا غيرها أيضاً يعرضون، أو آية(٨) النبوة فإنه معجزة. أما كونه معجزةً ففي غاية الظهور، وأما كونه آية فلأن منكر خراب العالم ينكر انشقاق السماء، وانفطارها، وكل كوكب، فإذا انشق بعضها كان ذلك مخالفاً لقوله بجواز خراب العالم(٩) والمُرَاد بهؤلاء القائلين المعرضين هم الكفار. والتنكير في قوله ( آية ) للتعظيم أي آية قوية أو عظيمة يُعْرِضُوا.
قال أبو حيان : ومعنى مستمر أي يشبه بعضه بعضاً أي اشتهرت أفعاله على هذا الحال(١٠). وهذا راجع إلى الدوام المتقدم. وأتى بهذه الجملة الشرطية تنبيهاً على أن حالهم في المستقبل كحالهم في الماضي.
وقرئ : يُرَوْا مبنيًّا للمفعول من أَرَى(١١).
١ قال: مستمر دائم مطرد وكل شيء قد انقادت طريقته ودامت حاله قيل فيه: قد استمر؛ لما رأوا تتابع المعجزات وترادف الآيات قالوا هذا سحر مستمر. وقيل: مستمر: قوي محكم من قوله: استمر مريره وانظر الكشاف ٤/٣٦..
٢ من الطويل لامرئ القيس. وأتى به شاهدا على أن المستمر بمعنى الدائم والباقي. وانظر القرطبي ١٧/١٢٧ والبحر ٨/١٧٤ وفتح القدير ٥/١٢٠ والديوان ١٠٩..
٣ في الكشاف: كما لا يساغ المر الممقر. وانظر الكشاف ٤/٣٦..
٤ زيادة من (أ) وانظر اللسان مرر ٤١٧٦..
٥ كذا في البحر وفي القرطبي: مر..
٦ من البسيط وروي "قحما" بدل رتًّا. والرتة ردة قبيحة في اللسان من العيب، والقحم الشيخ الهرم يعتريه خرق وخرف والضرع اللين الذليل.
وجاء بالبيت ليبين أن المراد من المستمر القوة والاستحكام من المِره وهي القوة. وقد سبق هذا البيت أول النجم. وانظر القرطبي ١٧/٨٦، و١٢٧ والبحر ٨/١٧٤ وفتح القدير ٥/١٢٠..

٧ في الرازي: وقد ردوا وكذبوا..
٨ وفيه: آية الانشقاق..
٩ انظر الرازي ١٥/٣٠..
١٠ في البحر: على هذا الوجه. وهو رأي نقله في كتابه فقد أقر بأن معنى مستمر دائم، وانظر البحر ٨/١٧٣ و١٧٤..
١١ لم تتعين في المرجع السابق..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية