وهذا يدل على أن الله تعالى يسّر على هذه الأمة حفظ كتابه ليذكّروا ما فيه، فهل من قارئ يقرؤه، ومتذكر متعظ يتذكّر به ويتعظ؟ وكرر ذلك في هذه السورة للتنبيه والإفهام، كما تقدم.
- ٢- قصة عاد قوم هود عليه السلام
[سورة القمر (٥٤) : الآيات ١٨ الى ٢٢]
كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (١٨) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٢١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢٢)
الإعراب:
رِيحاً صَرْصَراً صرصر: أصله صرّر، إلا أنه اجتمعت ثلاث راءات، فأبدلوا من الراء الثانية صادا، كما قالوا: رقرقت، وأصله رققت، فاجتمع فيه ثلاث قافات، فأبدلوا من القاف الوسطى راء، هربا من الاستثقال.
أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ إنما ذكر مُنْقَعِرٍ لأن النخل يذكر ويؤنث، ولهذا قال في موضع آخر: أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ [الحاقة ٦٩/ ٧]. والقاعدة: كل ما كان الفرق بين واحده وجمعه من أسماء الأجناس الهاء، نحو النخل والشجر والسدر، فإنه يجوز فيه التذكير والتأنيث.
البلاغة:
كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ تشبيه مرسل مجمل، حذف منه وجه الشبه.
المفردات اللغوية:
كَذَّبَتْ عادٌ نبيّهم هودا عليه السلام، فعذبوه. فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ إنذاري لهم بالعذاب قبل نزوله، أو إنذاري لمن بعدهم في تعذيبهم. صَرْصَراً شديدة الصوت والبرد.
نَحْسٍ شؤم. مُسْتَمِرٍّ دائم شؤمه حتى أهلكهم. تَنْزِعُ النَّاسَ تقلعهم من أماكنهم،
وتصرعهم على رؤوسهم، فتدق رقابهم. كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ أصول نخل مقتلع من مغارسه، أو مؤخر الشيء، وشبّهوا بالنخل لطولهم، والمنقعر: المنقطع من أصله.
فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ كرره للتهويل، أو أنه ذكر مرتين في قصة عاد، لأن الاستفهام الأول للبيان، كما يقول المعلم لمن لا يعرف: كيف المسألة الفلانية؟ ليتنبه الطالب المسؤول للجواب الذي سيذكره المعلم، والاستفهام الثاني للتوبيخ والتخويف. أما في قصة ثمود فاقتصر على الأول للاختصار، وفي قصة نوح اقتصر على الثاني للاختصار أيضا، ولعله ذكر الاستفهامين معا في قصة عاد لفرط عتوهم، وقولهم: مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً؟ [فصلت ٤١/ ١٥].
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ، فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ؟ أي متعظ، والمعنى كما تقدم: سهلناه للادّكار والاتعاظ بسبب المواعظ الشافية والبيانات الوافية، وقيل: للحفظ. والأول أنسب بالمقام، وإن روي أنه لم يكن شيء من كتب الله محفوظا على ظهر القلب سوى القرآن.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى تكذيب قوم نوح الذي بدأ به، لأن تكذيبهم كان أبلغ وأشد، حيث دعاهم قريبا من ألف سنة، وأصروا على التكذيب، أعقبه بقصة عاد قوم هود، تأكيدا للعظة والعبرة، وتبيانا للمشركين المكذبين في مكة وأمثالهم أن عاقبة المكذبين الهلاك والدمار، دون تفاوت بين الأقوام. وإنما قال عادٌ ولم يقل (قوم هود) كما قال (قوم نوح) لأن التعريف بالاسم العلم أولى من التعريف بالإضافة إليه.
التفسير والبيان:
كَذَّبَتْ عادٌ، فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ أي كما صنع قوم نوح في تكذيبهم رسولهم، كذبت قبيلة عاد قوم هود عليه السلام رسولهم، فانظروا واسمعوا أيها المخاطبون من قريش وغيرهم كيف كان عذابي لهم، وإنذاري إياهم.
وقوله: فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ لفت للأنظار، وتنبيه للأسماع لما سيذكر.
إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ أي إنا سلّطنا عليهم «١» ريحا شديدة البرد والصوت في يوم شؤم عليهم، دائم الشؤم حتى أهلكهم ودمرهم، لأنه اتصل فيه عذابهم الدنيوي بالأخروي، أما ذات اليوم بمجرده فلا يصح وصفه بالنحس أو الشؤم، وإنما الأيام والليالي كلها سواء، لذا كان التشاؤم بالعدد (١٣) غير صحيح شرعا ودينا.
ونظير الآية: فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ [فصلت ٤١/ ١٦] وقوله تعالى: سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً [الحاقة ٦٩/ ٧] أي متتابعة.
تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ أي إن تلك الريح الصرصر كانت تقتلعهم من الأرض اقتلاع النخلة من أصلها، قال مجاهد: كانت تقلعهم من الأرض، فترمي بهم على رؤوسهم، فتدقّ أعناقهم، وتبين رؤوسهم من أجسادهم.
والمعنى أنهم كانوا يتساقطون على الأرض أمواتا، وهم جثث طوال عظام، كأنهم أعجاز نخل وهي أصولها فلا فروع، مُنْقَعِرٍ: منقلع عن مغارسه.
وقد شبهوا في طول قاماتهم حين صرعتهم الريح. وطرحتهم على وجوههم بالنخل الساقط على الأرض التي ليست لها رؤوس.
والآية تومئ إلى أن الريح كانت تقتلع رؤوسهم، فتصبح الأجسام من غير رؤوس ولا هامات، وتشير أيضا إلى عظمة أجسادهم وطول قاماتهم، وإلى محاولتهم الثبات في الأرض والتشبث بها لمقاومة الريح، كما تشير أيضا إلى يبسهم وجفافهم بالريح التي كانت تقتلهم ببردها المفرط، فتجعلهم كأنهم أخشاب يابسة.
ثم أعاد الله تعالى ما يفيد تهويل العذاب، فقال:
فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ أي فانظروا كيفية بطشي وعقابي وإنذاري.
ثم كرر التصريح بسهولة التعرف على ذلك بالقرآن، فقال:
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ، فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ أي لقد سهلنا القرآن للادكار والاتعاظ، بما أوردنا فيه من المواعظ الشافية، وبينا ما فيه من الوعد والوعيد، فهل من متعظ معتبر؟! وقيل: ولقد سهلناه للحفظ وأعنّا عليه من أراد حفظه، فهل من طالب لحفظه ليعان عليه «١» ؟
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١- كذبت قبيلة عاد قوم هود برسولهم هود عليه السلام، فاستحقوا العقاب، لذا بادر الله تعالى إلى التخويف والتهويل بقوله: فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ وقد وقعت كلمة نُذُرِ في هذه السورة في ستة أماكن محذوفة الياء في جميع المصاحف، وقرأها يعقوب مثبتة في الحالين: حال الوقف والوصل، وقرأها ورش بالياء في الوصل لا غير.
٢- كان عقابهم بإرسال ريح شديدة البرد، شديدة الصوت، في يوم كان مشؤوما عليهم، قال ابن عباس: كان آخر أربعاء في الشهر، أفنى صغيرهم وكبيرهم. والمراد أنه يوم نحس على الفجار والمفسدين، كما كانت الأيام النحسات المذكورة في القرآن نحسات على الكفار من قوم عاد، لا على نبيهم والمؤمنين به منهم.
٣- وصف الله الريح بأنها تقلعهم من مواضعهم، قيل: قلعتهم من تحت
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي