ثم ذكر أن هذا القصص وأمثاله إنما ذكر فى القرآن للعبرة، لا ليكون قصصا تاريخيا يتلى، فقال:
(وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ) أي ولقد سهلنا لفظه، ويسرنا معناه، وملأناه بأنواع العبر والمواعظ، ليتعظ به من شاء، ويتدبر من أراد «وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ».
ونحو الآية قوله: «كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ» وقوله: «فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا» روى الضحاك عن ابن عباس قال: لولا أن الله يسره على لسان الآدميين ما استطاع أحد من الخلق أن يتكلم بكلام الله عز وجل.
(فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) أي فهل من متعظ به، مزدجر عن معاصيه، أي ما أقل من تذكر به، واتعظ بأمره ونهيه.
(٢) قصص عاد قوم هود
[سورة القمر (٥٤) : الآيات ١٨ الى ٢٢]
كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (١٨) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (٢١) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (٢٢)
تفسير المفردات
الريح الصرصر: الباردة أشد البرد، والنحس: الشؤم، منقعر: أي مقتلع من أصوله يقال قعرت النخلة: أي قلعتها من أصلها فانقعرت.
المعنى الجملي
بعد أن ذكر قصص قوم نوح وما فيه من العبرة لمن تدبر وفكر، أعقبه بقصص عاد قوم هود، ليبين للمكذبين أن عاقبة كل مكذب الهلاك والبوار وإن تعددت أسبابه.
| ومن لم يمت بالسيف مات بغيره | تعددت الأسباب والموت واحد |
الإيضاح
(كَذَّبَتْ عادٌ) أي كذبت عاد نبيهم هودا فيما أتاهم به عن الله، كما كذبت قوم نوح من قبلهم نبيهم.
(فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ) أي فانظروا معشر قريش، كيف كان عذابى إياهم، وعقابى لهم على كفرهم بالله، وتكذيبهم رسوله هودا، وإنذارى من سلك سبيلهم وتمادى فى الغىّ والضلال بحلول مثل ذلك العقاب به.
وفى هذا توجيه لقلوب السامعين إلى الإصغاء لما يلقى عليهم قبل ذكره، وتعجيب من حالهم بعد بيانه، كأنه قيل: كذبت عاد فانظروا كيف كان عذابى وإنذارى لهم به قبل نزوله.
ثم فصّل ما أجمله أولا فقال: صفحة رقم 86
(إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ) أي إنا بعثنا إلى عاد إذ تمادوا فى طغيانهم وكفرهم بربهم ريحا شديدة العصوف فى برد، لصوتها صرير، فى زمن شؤم ونحس عليهم، إذ ما زالت مستمرة حتى أهلكتهم.
ونحو الآية قوله: «فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ» وقوله:
«سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً» أي متتابعة. وما روى من شؤم بعض الأيام فلا يصح شىء منه، فالأيام كلها لله، لا ضرر فيها لذاتها، ولا محذور منها، ولا سعد فيها ولا نحس، فما من يوم يمر إلا وهو سعد على قوم ونحس على آخرين، باعتبار ما يحدثه الله فيه من الخير والشر لهم، فكل منها يتصف بالأمرين:
| ألا إنما الأيام أبناء واحد | وهذى الليالى كلها أخوات |
(تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ) أي تقتلعهم حتى يصيروا كأنهم أعجاز نخل قد انقلع من مغارسه فى الأرض.
وفى الآية إيماء إلى أن الريح كانت تقتلع رءوسهم فتبقى الأجسام ولا رءوس لها، وإلى أنهم كانوا ذوى جثث عظام طوال كالنخل، وإلى أنهم أعملوا أرجلهم فى الأرض وقصدوا بذلك مقاومة الريح، وإلى أن الريح جعلتهم كأنهم خشب يابسة لشدة بردها.
ثم هوّل من أمر العذاب والإنذار بعد بيانهما فقال:
(فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ) أي فانظروا كيف كان عذابى وإنذارى، وقد كرره تعظيما لشأنه، وهذه سنة فى بليغ الكلام، فى باب النصح والإرشاد، وباب صفحة رقم 87
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي