إِنا مرسلوا الناقةِ باعثوها ومخرجوها من الهضبة كما سألوا، فتنةً لهم ابتلاءً وامتحاناً لهم، مفعول له، أو : حال، فارتقبهم فانتظرهم وتبصّر ما هم صانعون واصْطَبر على أذاهم، ولا تعجل حتى يأتيك أمري.
قسم لازم، لا تنفك العبودية عنه، كالأكل والشرب والنوم والنكاح، وغيرها من الأوصاف الضرورية، وهذه هي التي تجامع الخصوصية، وبها سترت، واحتجبت حتى أنكرت، فوجودها في العبد كمال ؛ لأنها صِوان لسر الخصوصية. قال في الحكم :" سبحان مَن ستر سر الخصوصية بظهور وصف البشرية، وظهر بعظمة الربوبية في إظهار العبودية ". وقسم عارض يمكن زواله ؛ وهي الأوصاف المذمومة، كالكبر والحسد والحقد، وحب الدنيا والرياسة، وغير ذلك، فهذا لا تجامعه الخصوصية، ولا بد من التطهير منه في وجودها.
وللقشيري إشارة أخرى، وحاصلها : كذبت ثمود ؛ النفسُ الأمّارة وجنودُها : صالح القلب ؛ حين دعاها إلى الخروج عن عوائدها، والتطهُّر من أوصافها المذمومة، فقالت النفسُ وجنودها : أنتبع واحداً منا، لأنه مخلوق مثلنا، ونحن عُصبة ؟ إنا إذاً لفي ضلال سُعر، أأُلقي الذكر الإلهامي عليه مِن بيننا ؟ بل هو كذَّاب أشر، سيعلمون غداً، حين يقع لهم الرحيل من عالمهم، مَنِ الكذابُ الأشر، أثمود النفس وجنودها، أم صالح القلب ؟. إنّا مرسل ناقة النفس فتنة لهم، ابتلاءً ؛ ليظهر الخصوص من العموم، فارتقبهم، لعلهم يرجعون إلى أصلهم من النزاهة والطهارة، واصطبر في مجاهدتهم، ونبئهم أنَّ ماء الحياة - وهي الخمرة الأزلية - قسمة بينهم، مَن شَرِبَ منها، صفا، ومَن تنكّب عنها أظلم، كُل شِرْب يحضره مَن يتأهل له. فنادوا صاحبهم - وهو الهوى - فتعاطى ناقة النفس، التي أرادت العروج إلى وطن الروح، فعقرها وردها إلى وطنها الخسيس، فكيف كان عذابي لها وإنذاري إياها ؟ إنَّا أرسلنا عليهم صيحةَ القهر، فسقطوا إلى الحضيض الأسفل، فكانا كهشيم المحتظر ؛ صاروا أرضيين بعد أن كانوا سماويين. هـ. بالمعنى مع تخالف له.
ثم قال القشيري : اعلم أن النفس حقيقة واحدة، غير متعددة، لكن بحسب توارد الصفات المتباينة تعددت أسماؤها، فإذا توجهت إلى الحق توجهاً كليّاً ؛ سميت مطمئنة، وإذا توجهت إلى الطبيعة البشرية توجهاً كليّاً ؛ سميت أمّارة، وإذا توجهت إلى الحق تارة، وإلى الطبيعة أخرى ؛ سميت لوّامة. هـ مختصراً.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي