قوله تعالى : وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً انصرف «بكرةً » ؛ لأنه نكرة ولو قصد به وقت بعينه امتنع الصرف للتأنيث والتعريف. وهذا كما تقدم في «غَدْوَةٍ »١.
ومنعها زيدُ بن عليٍّ الصرف٢، ذهب بها إلى وقتٍ بعينه٣.
قال صاحب المختصر٤ : انتصب بُكْرَة على الظرف أي بكرة من البكر كقوله : أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى [ الإسراء : ١ ]. قال الزمخشري : والتنكير يدل على أنه كان في بعض الليل وتمسك بقراءة من قرأ : مِنَ اللِّيْلِ٥. قال ابن الخطيب : وهو غير ظاهر، والأظهر أن يقال : بأن الوقت المبهم يذكر لبيان أن تَعْيِينَ الوقت ليس بمقصود للمتكلم، كقوله : خَرَجْنَا فِي بَعْضِ الأَوْقَاتِ مَعَ أن الخروج لا بدّ وأن يكون في بعضِ الأوقات، وكذلك قوله :«صَبّحَهُمْ بُكْرَةً » أي بكرة من البكر، و أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً أي ليلاً من الليالي٦.
ومعنى صبحهم قال لهم : عِمُوا صباحاً، كقوله : فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [ آل عمران : ٢١ ]. والمراد بقوله : بكرة أول أزمنة الصبح. أو انتصب «بُكْرَةً » على المصدر كقولك : ضَرَبْتُهُ سَوْطاً ؛ لأن الضرب يكون بالسَّوْطِ وغيره، وكذلك الصبح يكون بكرةً وبَعْدَها.
ومعنى «مستقر » أي ثابت عليهم لا يدفعه أحد عنهم، أو دائم لأنهم انتقلوا منه إلى عذاب الجحيم، وهو دائم، أو بمعنى قدر الله عليهم وقوعه ولم يصبهم بطريق الاتفاق وذلك العذاب قلب قريتهم عليهم، وجعل أعلاها أسْفَلَهَا٧.
٢ وانظر البحر المحيط ٨/١٨٢..
٣ المرجع السابق. وهي شاذّة..
٤ لعله المختصر في النحو لأبي جعفر بن سعدان الضرير البغدادي، وقد ترجم لابن سعدان هذا قبل..
٥ قال الزمخشري "... وذلك أن التنكير فيه قد دل على معنى البعضية، ويشهد لذلك قراءة عبد الله وحذيفة: من الليل" وانظر الكشاف ٢/٤٣٦..
٦ من كلام للرازي في تفسيره ١٥/٦٣..
٧ للرازي السابق..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود