نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٣٥:قوله : إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ .
قيل : الضَّمير يعود ( على )١ الحُور العين، أي : خلقناهن من غير ولادة.
وقيل : المراد نساء بني آدم خلقناهنَّ خلقاً جديداً، وهو الإعادة، أي أعدناهنّ إلى حال الشَّباب، وكمال الجمال، ويرجحه قوله : فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً لأن المخلوقة ابتداء معلوم أنها بكر.
والمعنى أنشأنا العجوز والصَّبية إنشاء، وأخرن، ولم يتقدم ذكرهنّ ؛ لأنَّهن قد دخلن في أصحاب اليمين، ولأن الفُرش كناية عن النساء كما تقدم٢.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً قال :«مِنهُنَّ البِكرُ والثَّيِّبُ »٣.
«وروى النحاس بإسناده عن أم سلمة سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى : إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً ، فقال :«يا أمَّ سلمة، هُنَّ اللَّواتِي قُبِضْنَ في الدُّنيا عَجَائِزَ، شُمْطاً، عُمْشاً، رُمْصاً، جعلهُنَّ اللَّهُ بعد الكبر أتْرَاباً على ميلادٍ واحدٍ في الاستواءِ »٤.
وروى أنس بن مالك، يرفعه في قوله : إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً قال :«هُنَّ العجائزُ العُمْشُ، الرُّمص، كُنَّ في الدُّنيا عُمْشاً رُمْصاً »٥.
وعن المسيب بن شريك :«قال النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً ، قال :«هُنَّ عجائزُ الدُّنيا، أنشَأهُنَّ الله تعالى خلقاً جديداً، كُلَّما أتَاهُنَّ أزواجهُنَّ وجدُوهُنَّ أبْكاراً » فلما سمعت عائشة بذلك قالت : واوجعاه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :«لَيْسَ هُناكَ وجعٌ »٦.
وعن الحسن قال :«أتت عجوز النبي صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ادعُ الله أن يدخلني الجنة، فقال :«يَا أم فُلانٍ، الجنَّةُ لا يدخُلهَا عَجُوزٌ »، قال : فولَّت تبكي، فقال : أخْبرُوهَا أنَّهَا لا تدخُلهَا وهيَ عجُوزٌ، إنَّ الله تعالى يقُولُ : إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً ٧ ».
قوله :«عُرُباً ».
جمع «عَرُوب » ك «صَبُور، وصُبُر »، والعَرُوب : المحببة إلى بعلها، واشتقاقه من «أعرب » إذا بين.
فالعروب : تبين محبتها لزوجها بشكل وغُنْج وحسن كلام. قاله عكرمة وقتادة٨.
وقيل : الحسناء.
وقيل : المحسِّنة لكلامها٩.
وقرأ حمزة١٠، وأبو بكر : بسكون الراء. وهذا ك «رُسُل ورُسْل، وفُرُش وفُرْش ». وقال ابن عباس رضي الله عنهما : هنّ العواشق١١.
وأنشد للبيد :[ البسيط ]
ويروى :[ البسيط ]وفِي الخُدُورِ عرُوبٌ غَيْرُ فَاحِشَةٍ رَيَّا الرَّوادفِ يَغْشَى دُونهَا البَصَرُ١٢
وعن ابن عباس ومجاهد وغيرهما : العُرُب، العواشق لأزواجهن١٤. وفِي الجِنَانِ عَرُوبٌ غَيْرُ فَاحِشَةٍ ريَّا الرَّوادفِ يَغْشَى ضَوؤهَا البَصَرَا١٣
وعن عكرمة : العَرُوبة : الغَنِجَة١٥.
قال ابن زيدٍ : بلغة أهل «المدينة »، وأنشد بيت لبيد، وهي الشَّكِلة بلغة أهل «مكّة »١٦.
«وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جدّه، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى :«عُرُبا »ً قال :«كلامُهنَّ عَربيٌّ »١٧.
وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما :«العَرُوب » الملقة١٨.
قوله :«أتْرَاباً » جمع «تِرْب »، وهو المساوي لك في سنّك لأنه يمسّ جلدها التراب في وقتٍ واحد، وهو آكد في الائتلاف، وهو من الأسماء التي لا تتعرف بالإضافة ؛ لأنه في معنى الصفة ؛ إذ معناه «مساويك »، ومثله :«خِدنُك » لأنه في معنى صاحبك١٩.
قال القرطبي٢٠ :«سنّ واحد، وهو ثلاث وثلاثون سنة، يقال في النساء : أتْرَاب، وفي الرجال : أقْرَان، وكانت العرب تميل إلى من جاوزت حدّ الصِّبا من النساء، وانحطَّت عن الكبر ».
وقال مجاهد : الأتْراب : الأمثال والأشكال.
وقال السُّدي : أتراب في الأخلاق لا تباغض بينهن ولا تحاسُد٢١.
وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«يَدْخلُ أهْلُ الجنَّةِ الجنَّة جُرْداً مُرْداً، جعَاداً، مكحَّلينَ، أبْناءَ ثلاثِينَ على خَلْقِ آدَمَ طُولهُ سِتُّونَ ذِرَاعاً في سبعةِ أذْرُعٍ »٢٢.
وعنه - عليه الصلاة والسلام - قال :«مَنْ مَاتَ مِنْ أهْلِ الجنَّةِ من صغيرٍ وكبيرٍ دُون بَنِي ثلاثِيْن سنةً في الجنَّةِ، لا يزيدُون عليْهَا أبداً، وكذلكَ أهْلُ النَّارِ »٢٣.
٢ ينظر؛ القرطبي ١٧/١٣٦..
٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١١/٦٤٠) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٢٢٤) وزاد نسبته إلى الطيالسي وابن أبي الدنيا والطبراني وابن مردويه وابن قانع والبيهقي في "البعث" من حديث سلمة بن يزيد الجعفي..
٤ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١١/٦٤١)..
٥ أخرجه الترمذي (٣٢٩٦) والطبري في "تفسيره" (١١/٦٤٠) من طريق موسى بن عبيدة عن يزيد عن أبان عن أنس مرفوعا.
وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث موسى بن عبيدة وموسى بن عبيدة ويزيد بن أبان الرقاشي يضعفان في الحديث.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٢٢٤) وزاد نسبته إلى الفريابي وعبد بن حميد وهناد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في "البعث"..
٦ ذكره البغوي في "تفسيره" (٤/٢٨٣) عن المسيب بن شريك..
٧ أخرجه الترمذي في "الشمائل" رقم (٢٤١) والبيهقي في "البعث" (٢٤١) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٢٢٤) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن مرسلا. وللحديث شاهد من حديث عائشة، أخرجه الطبري (١١/٢٤٦) والبيهقي في "البعث" رقم (٣٧٩) من طريق ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن عائشة.
وله طريق آخر عنها ذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/٤١٩) وقال: رواه الطبراني في "الأوسط" وفيه مسعدة بن اليسع وهو ضعيف..
٨ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١١/٦٤٢) عن عكرمة وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٢٢٥) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم..
٩ ينظر: الدر المصون ٦/٢٥٩، والبحر المحيط ٨/٢٠٧..
١٠ ينظر: السبعة ٦٢٢، والحجة للقراء السبعة ٦/٢٥٧، ٢٥٧ وإعراب القراءات ٢/٣٤٣، ٣٤٤، وحجة القراءات ٦٩٦، والعنوان ١٨٥، وشرح شعلة ٥٩٦، وإتحاف ٢/٥١٥..
١١ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١١/٦٤٢) عن ابن عباس والحسن ومجاهد.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٢٢٥): عن ابن عباس وعزاه إلى ابن المنذر والبيهقي من طريق علي بن أبي طلحة عنه.
وله طريق آخر عن الضحاك عن ابن عباس ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٢٢٥) وعزاه إلى ابن أبي حاتم..
١٢ ينظر ديوانه ص ٥٦، ومجاز القرآن ٢/٢٥١، والطبري ٢٧/١٠٧، والقرطبي ١٧/١٣٧، والدر المصون ٦/٢٦٠..
١٣ تقدم..
١٤ تقدم..
١٥ تقدم..
١٦ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١١/٦٤٣) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٢٢٦) وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم..
١٧ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٢٢٦) وعزاه إلى ابن أبي حاتم..
١٨ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١١/٦٤٣) من طريق عكرمة بن أبي عباس وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٢٢٥) وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم..
١٩ ينظر: الدر المصون ٦/٢٦٠..
٢٠ الجامع لأحكام القرآن ١٧/١٣٧..
٢١ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٧/١٣٧)..
٢٢ أخرجه الترمذي (٤/٥٨٩) رقم (٢٥٤٥) من طريق قتادة عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمان بن غنم عن معاذ مرفوعا.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وبعض أصحاب قتادة رووا هذا عن قتادة مرسلا ولم يسندوه.
وأخرجه أحمد (٢/٢٩٥) من حديث أبي هريرة. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٤٨) وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا في صفة الجنة والطبراني في الكبير..
٢٣ أخرجه ابن المبارك في "الزهد" (٢/١٢٨) ومن طريقه البغوي في "تفسيره" (٤١/٢٨٤) من طريق دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد. وذكره المتقي الهندي في "كنز العمال" (٣٩٣٤٤) وعزاه إلى الترمذي..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود