نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٦٠:قوله : نَحْنُ قَدَّرْنَا .
قرأ ابن كثير١ :«قَدَرْنَا » بتخفيف الدال.
والباقون : بتشديدها.
وهما لغتان بمعنى واحد في التقدير الذي هو القضاء، وهذا أيضاً احتجاج، أي : الذي يقدر على الإماتة يقدر على الخَلْق وإذا قدر على الخَلْق قدر على البعث٢.
قال الضحاك : معناه أي : سوَّينا بين أهل السماء وأهل الأرض.
وقيل : قضينا.
وقيل : كتبنا.
قال مقاتل : فمنكم من يبلغ الهَرَم، ومنكم من يموت صبيًّا وشابًّا٣.
وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ أي : مغلوبين عاجزين.
قوله : على أَن نُّبَدِّلَ .
يجوز أن يتعلق بِمَسْبُوقِينَ ، وهو الظَّاهر، أي : لم يسبقنا أحد على تبديلنا أمثالكم، أي : يعجزنا، يقال : سبقه إلى كذا، أي : أعجزه عنه، وغلبه عليه.
الثاني : أنه متعلق بقوله :«قَدَّرْنا » أي : قدرنا بينكم الموت، على أن نُبدِّل أي : تموت طائفة، وتخلفها طائفة أخرى. قال معناه الطبري٤.
وعلى هذا يكون قوله : وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ معترضاً، وهو اعتراض حسن.
ويجوز في «أمْثَالكُمْ » وجهان٥ :
أحدهما : أنه جمع «مِثْل » - بكسر الميم وسكون الثاء - أي : نحن قادرون على أن نعدمكم، ونخلق قوماً آخرين أمثالكم، ويؤيده : إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا الناس وَيَأْتِ بِآخَرِينَ [ النساء : ١٣٣ ].
والثاني : أنه جمع «مَثَل » - بفتحتين - وهو الصفة، أي : نغير صفاتكم التي أنتم عليها خَلْقاً وخُلُقاً، و«ننشئكم » في صفات غيرها.
وتقدم قراءتا النَّشأة في «العنكبوت »٦.
فصل في تفسير معنى الآية
قال الطبري٧ : معنى الآية : نحن قدّرنا بينكم الموت على أن نبدل أمثالكم بعد موتكم بآخرين من جنسكم، وما نحن بمسبوقين في آجالكم، أي : لا يتقدم متأخر، ولا يتأخّر متقدم، وننشئكم فيما لا تعلمون من الصُّور والهيئاتِ.
قال الحسن : أي : نجعلكم قِردةً وخنازير كما فعلنا بأقوام قبلكم٨.
وقيل : المعنى ننشئكم في البعث على غير صوركم في الدنيا، فيجمّل المؤمن ببياض وجهه، ويقبح الكافر بسواد وجهه.
وقال سعيد بن المسيب : قوله : فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ يعني في حواصل طير سُودٍ تكون ببرهوت كأنها الخَطَاطِيْف، و«برهوت » : وادٍ في «اليمن »٩.
وقال مجاهد : فيما لا تعلمون أي : في أي خلق شئنا١٠.
وقيل : ننشئكم في عالم فيما لا تعلمون، وفي مكان لا تعلمون.
قال ها هنا : قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الموت .
وقال في سورة «الملك » : خَلَقَ الموت والحياة [ الملك : ٢ ] بلفظ الخلق ؛ لأن المراد هناك بيان كون الموت والحياة مخلوقين، وهاهنا ذكر حياتهم ومماتهم١١.
٢ ينظر: القرطبي ١٧/١٤٠..
٣ ينظر: البغوي في "تفسيره" (٤/٢٨٧)..
٤ جامع البيان ١١/٦٥١..
٥ ينظر: الدر المصون ٦/٢٦٣..
٦ سورة العنكبوت آية (٢٠)..
٧ ينظر: جامع البيان ١١/٦٥١، والقرطبي ١٧/١٤٠..
٨ ذكره البغوي في "تفسيره" (٤/٢٨٧)..
٩ ينظر المصدر السابق..
١٠ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١١/٦٥١)..
١١ ينظر: تفسير الفخر الرازي ٢٩/١٥٥..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود