ثم أقسم على حقية القرآن المنزل بهذه الأخبار الغيبية، من البعث وغيره، فقال :
* فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ * لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ * أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ * وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ .
قلت :" فلا " : صلة، كقوله : فَلاَ وَرَبِّكَ. . . [ النساء : ٦٥ ]. ومَن قرأ باللام فهي لام الابتداء، دخلت على مبتدأ محذوف، أي : فلأنا أُقسم، ولا يصح أن تكون للقسم ؛ لأنها لا بد أن تقرن بنون التوكيد.
يقول الحق جلّ جلاله : فلا أُقسِمُ بمواقعِ النجومِ بمساقطها ومغاربها. وقرأ الأخَوان١ " بموقع " على الإفراد، وتخصيصها بالقَسَم لِمَا في غروبها من زوال أثرها، والدلالة على وجود مؤثر دائم لا يتغير، أو : لأنّ ذلك وقت قيام المجتهدين والمبتهلين إليه تعالى، وأوان نزول الرحمة والرضوان عليها، واستعظم ذلك بقوله : وإنه لقَسَم لو تعلمون عظيمٌ .
قال شيخ شيوخنا، سيدي عبد الرحمان الفاسي : كنتُ أعرف أربعة عشر علماً، فلما تعلمتُ علم الحقيقة شرطت ذلك كله. هـ. يعني : وقع الاستغناء عنها، فالكنز الذي ظفر به من العلم بالله، على نعت العيان، فلم يبقَ للروح التفات إلى شيء قط. " ماذا فقد من وجدك " ؟ وليس المراد أنها ذهبت معرفتها عنه، بل لو رجع إليها لوجدها تشحرت واتسعت أمدادها، ولكن ظفر بعلم يُعد الاشتغال بغيره بطالة، كما قال الغزالي لابن العربي المعافري : كنتَ الصاحِبَ في زمن البطالة، يعني : قبل ملاقاته بالشيخ. وإنما كان القسم به عظيماً ؛ لأنه ليس عند الله أعظم من قلوب الواصلين وأسرار العارفين، لأنها وسعت الرب تعالى علماً وتجلياً، " لم يسعني أرضي ولا سمائي، ووسعني قلب عبدي المؤمن ". فالقَسم عظيم، والمُقسَم به أعظم، والمُقسَم عليه أعظم، وهو القرآن الكريم، لا يسمّه إلاّ المطهرون قال الجنيد : لا يمسّه إلاّ العارفون بالله، المطهرون سرهم عما سوى الله. هـ. أي : لا يمس أبكار حقائقه ودقائق إشارته إلاّ القلوب المطهَرة من الأكدار والأغيار، وهي قلوب العارفين. تنزيل من رب العالمين على سيد المرسلين، ثم غرفت أسرارَه قلوبُ خلفائه العارفين. أفبهذا الحديث أنتم مدهنون. قال القشيري : أي : أنتم تتهاونون في قبول مثل هذا الكلام الحق، وتعجبون من مثل هذه الحقيقيات والتدقيقات. هـ. والعتاب لمَن يتهاون بعلم الإشارة ويُنكرها. ويتنكّب مطالعتها. وتجعلون شكر رزقكم إياها - حيث استخرجها بواسطة قلوب العارفين - التكذيب بها والإنكار على أربابها. تبدّت لنا شمسُ النهارِ وأشرقتْ فلم يَبق ضوءُ النجمِ والشمسُ طالعُ
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي