تمهيد :
كان المنافقون شوكة في جنب المسلمين، وكانوا يوالون اليهود ويمدونهم بالمعلومات عن المسلمين، والقرآن هنا يتعجب من حالهم، فهم يتولون اليهود بالمودة والمؤازرة، واليهود قوم غضب الله عليهم، ولعنهم وجعل منهم القردة، والمنافقون كالشاة الحائرة بين قطيعين من الغنم، فهي مترددة في اتباع أيهما، فهم يوالون اليهود ويتظاهرون بالإسلام أمام المسلمين، فليسوا من المسلمين حقا، وليسوا يهودا.
قال تعالى : مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ... ( النساء : ١٤٣ ).
وقد أنذرهم الله بالعذاب، وأبان بواعث أفعالهم وكذبهم وحلفهم بالله كذبا، مع علمهم بأنها يمين غموس، فهم أتباع الشيطان وأنصاره.
من أسباب النزول :
أخرج أحمد، والحاكم وصححه، عن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في ظل حجرة وقد كاد الظل يتقلص، فقال :" إنه سيأتيكم إنسان فينظر إليكم بعيني شيطان، فإذا جاءكم لا تكلموه "، فلم يلبثوا أن طلع عليهم رجل أزرق أعور، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له حين رآه :" علام تشمتني أنت وأصحابك " ؟ فقال : ذرني آتك بهم، فانطلق فدعاهم، فخلفوا ما قالوا وما فعلوا، فأنزل الله : يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له، كما يحلفون لكم... ( المجادلة : ١٨ ).
المفردات :
يوم يبعثهم : اذكر لهم ذلك اليوم.
فيحلفون له : أنهم مؤمنون.
التفسير :
١٨- يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ
أي : حين يبعثهم الله جميعا من قبورهم، ويساقون للوقوف بين يدي علام الغيوب، فيحلفون بالله ويقولون : والله ربنا ما كنا مشركين . ( الأنعام : ٢٣ ).
فإن من شب على شيء شاب عليه، ومن شاب على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بعث عليه، فهؤلاء تعودوا على اليمين الغموس، حتى بين يدي علام الغيوب الذي لا تخفى عليه خافية، يحلفون أمامه في الآخرة كما كانوا يفعلون في الدنيا، ظانين أن هذه اليمين ستجعلهم يفلتون من عذاب الله في الآخرة.
قال أبو حيان :
والعجب منهم كيف يعتقدون أن كفرهم يخفى على علام الغيوب، ويجرونه مجرى المؤمنين في عدم اطلاعهم على كفرهم ونفاقهم ؟ والمقصود : أنهم تعودوا الكذب حتى كان على ألسنتهم في الآخرة كما كان في الدنيا. ١ه.
أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ .
إنهم حقا أهل كذب ونفاق وخداع، لذلك أكد الله كذبهم بأداة الاستفتاح، وبحرف ( إن )، وبإسمية الجملة.
ونحو الآية قوله تعالى : ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين*انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون . ( الأنعام : ٢٣-٢٤ ).
تفسير القرآن الكريم
شحاته