ولما ذكر حال المؤمنين اتبعهم بذكر حال المنافقين فقال تعالى : ألم تر أي : تعلم علماً هو في غاية الجزم كالمشاهدة يا أعلى الخلق، وبين بعدهم عن جنابه العالي ومنصبه الشريف العالي بأداة الانتهاء فقال تعالى : إلى الذين نافقوا أي : أظهروا غير ما أضمروا وبالغوا في إخفاء عقائدهم، وهم عبد الله بن أبي ابن سلول وأصحابه، قالوا : والنفاق لفظ إسلامي لم تكن العرب تعرفه قبله، وهو استعارة من الضب في نافقائه وقاصعائه وصور حالهم بقوله تعالى : يقولون لإخوانهم الذين كفروا أي : غطوا أنوار المعارف التي دلتهم على الحق من أهل الكتاب وهم اليهود من بني قريظة والنضير. والأخوان هم الأخوة، وهي هنا تحتمل وجوهاً :
أحدها : الأخوة في الآخرة لأنّ اليهود والمنافقين اشتركوا في عموم الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم.
وثانيها : الأخوة بسبب المصادقة والموالاة والمعاونة.
وثالثها : الأخوة بسبب اشتراكهم في عداوة محمد صلى الله عليه وسلم فقالوا لليهود : لئن أخرجتم أي : من مخرجّ ما من المدينة لنخرجن معكم أي : منها ولا نطيع فيكم أي في خذلانكم أحداً أي يريد خذلانكم من الرسول والمؤمنين. وأكدوا بقولهم : أبداً أي : ما دمنا نعيش، وبمثل هذا العزم يستحق الكافر الخلود الأبدي في العذاب وإن قوتلتم أي : من أي مقاتل كان يقاتلكم ولم تخرجوا لننصرنكم أي : لنعيننكم ولنقاتلنّ معكم.
ولما كان قولهم هذا كلاماً يقضي عليه سامعه بالصدق من حيث كونه مؤكداً مع كونه مبتدأ من غير سؤال فيه بين حاله سبحانه بقوله تعالى : والله أي : يقولون ذلك والحال أنّ المحيط بكل شيء قدرة وعلماً يشهد إنهم أي : المنافقين لكاذبون أي : فيما قالوا ووعدوا، وهذا من أعظم دلائل النبوّة لأنه إخبار بغيب بعيد عن العادة.
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني