ثم عجب من المنافقين، فقال :
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * لَئِنْ أُخْرِجُواْ لاَ يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُواْ لاَ يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ * لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ * لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ .
يقول الحق جلّ جلاله : ألم تَرَ إلى الذين نافقوا أي : ألم ترَ يا محمد، أو : يا مَن يسمع، إلى عبد الله بن أُبيّ وأشياعه ؟ حكاية لما جرى بين الكفرة والمنافقين، من الأقوال الكاذبة والأحوال الفاسدة، بعد حكاية محاسن أقوال المؤمنين، وأحوالهم الحميدة، على اختلاف طبقاتهم. وقوله تعالى : يقولون استئناف لبيان المتعجب منه، وصيغة المضارع للدلالة على استمرار قولهم، أو : لاستحضار صورته. واللام في قوله : لإِخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب للتبليغ، والمراد بالأخوة : أخوة الكفر، واللام في قوله : لئن أُخرجتم موطئة للقسم، و لنَخَرُجَنَّ جوابه، أي : والله لئن أُخرجتم من دياركم لنَخْرُجَنَّ معكم ، رُوي أن ابن أُبي وأصحابه دسُّوا إلى بني النضير، حين حاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم : لا تخرجوا من الحصن، فإن قاتلوكم فنحن معكم، لا نخذلكم، ولئن أُخرجتم لنخرُجن معكم، ولا نُطيعُ فيكم ؛ في قتالكم أحداً أبداً ، يعني رسول الله والمسلمين، أو : لا نُطيع في خذلانكم وإخلاف ما وعدناكم من النصرة أحداً، وإن طال الزمان، وإن قُوتلتم لننصرنكم ، قال تعالى في تكذيبهم : واللهُ يشهد إنهم لكاذبون في مواعدهم المؤكدة بأيمانهم الفاجرة.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي