ﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫ

ثم أخبر بربوبيته وعظمته فقال:
٢٢ - هُوَ اللَّهُ وهو ظاهر التفسير ماض فيما سبق (١) إلى قوله: الْقُدُّوسُ قال المفسرون: هو الطاهر من كل عيب، المنزه مما لا يليق به (٢)، ومضى الكلام فيه عند قوله: وَنُقَدِّسُ لَكَ [البقرة: ٣٠] وروى عطاء عن ابن عباس في قوله: الْقُدُّوسُ الذي منه البركات (٣)، وهو قول قتادة، قال: ويقال أرض مقدسة، أي مباركة (٤)، وقوله: السَّلَامُ ذكروا فيه قولين:
أحدهما: أنه الذي سلم من النقص والعيب (٥).
والآخر: أنه الذي سلم خلقه من ظلمه (٦).
وكلا القولين قد تقدم بيانه عند قوله: لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ (٧)، وقوله: وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ (٨).
٢٣ - قوله تعالي: الْمُؤْمِنُ ذكره (٩) المفسرون وأهل اللغة فيه قولين:

(١) انظر: "تفسير غريب القرآن" ص ٦، ١٩، و"الأسماء والصفات" للبيهقي ص ٥٧.
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" ١٥٠ أ، و"الكشف والبيان" ١٣/ ١٠٢ ب، و"معالم التنزيل" ٤/ ٣٢٦.
(٣) وفي "التفسير الكبير" ٢٩/ ٢٩٣، قال الحسن: إنه الذي كثرت بركاته.
(٤) انظر: "جامع البيان" ٢٨/ ٣٦، الكشف والبيان" ١٠٢ ب، ولفظه (المبارك).
(٥) انظر:"تفسير غريب القرآن" ص ٦، و"الأسماء والصفات" للبيهقي ١/ ١٠١، و"معالم التنزيل" ٤/ ٣٢٦، و"تفسير القرآن العظيم" ٤/ ٣٤٣، وهو المعتمد عنده، حيث قال: السَّلَامُ أي من جميع العيوب، والنقائض لكماله في ذاته وصفاته وأفعاله.
(٦) قاله قتادة، ومقاتل: انظر: "تفسير مقاتل" ١٥٠ أ، و"جامع البيان" ٢٨/ ٣٦، و"معاني القرآن" للزجاج ٥/ ١٥٠، و"الأسماء والصفات" للبيهقي ١/ ١٠٢.
(٧) عند تفسيره الآية (١٢٧) من سورة الأنعام.
(٨) عند تفسيره الآية (٢٥) من سورة يونس.
(٩) في (ك): (ذكره).

صفحة رقم 393

أحدهما: أن المؤمن في صفة الله تعالى معناه الذي آمن أولياءه عذابه (١)، يقال: آمنه يؤمنه فهو مؤمن، ومنه قوله:

والمؤمنِ العائذاتِ الطَّيرَ يَمْسَحُها رُكْبانُ مكة بين الغيل والسَّند (٢)
حلف بالله الذي آمن طير مكة فلا ينفر عن أن يمسحها الركبان، وهذا من الإيمان الذي هو ضد التخويف.
قال الكلبي: المؤمن الذي لا يخاف ظلمه (٣).
وقال مقاتل: هو الذي يؤمن أولياءه (٤).
القول الثاني: أن معنى المؤمن في صفته تعالى: المصدق (٥) على معنى أنه يصدق أنبياءه بإظهار المعجزة لهم، ويصدق المؤمنين إذا وحدوه. وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء (٦). وذكرنا الإيمان بمعنى التصديق في مواضع.
قال ابن الأنباري: سمعت أحمد بن يحيى يقول: المؤمن عند العرب المصدق (٧)، فذهب إلى أن الله تعالى مصدق عباده المسلمين يوم القيامة،
(١) وهو المروي عن ابن عباس، وابن جريج، وزيد بن علي. انظر: "تنوير المقباس" ٦/ ٤٧، و"الكشف والبيان" ١٣/ ١٠٢ ب، و"تفسير القرآن العظيم" ٤/ ٣٤٣.
(٢) البيت للنابغة الذبياني. انظر: "ديوانه" ٢٥، و"الخزانة" ٢/ ٣١٥، و"شرح المفصل" ٣/ ١١، ومعنى العائذات: التي عاذت بالحرم، والغيل، الشجر الملتف، ورواية "الديوان" (نسعد) بدل "السند"، و"الأسماء والصفات" للبيهقي ١/ ١٦٥ - ١٦٦.
(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج ٥/ ١٥٠، ذكر نحوه ولم ينسبه.
(٤) انظر: "تفسير مقاتل": ١٥٠ أ.
(٥) (ك): (المتصدق).
(٦) ذكره المفسرون عن الضحاك، وابن زيد. وانظر: "جامع البيان" ٢٨/ ٣٦، و"الكشف والبيان" ١٣/ ١٠٢ ب، و"تفسير القرآن العظيم" ٤/ ٣٤٣.
(٧) في (ك): (المتصدق). وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس" ٣/ ٤٠٧، و"اللسان" ١/ ١٠٨ (أمن).

صفحة رقم 394

وذلك أن المفسرين قالوا: إذا كان يوم القيامة سأل الله تعالى الأمم عن تبليغ الرسل فيقولون (١): يا ربنا ما جاءنا رسول ولا نذير فيكذبون أنبياءهم، ويؤتى بأمة محمد -صلى الله عليه وسلم- فيسئلون عن ذلك فيصدقون نبيهم والأنبياء الماضين، فيصدقهم الله تعالى عند ذلك (٢)، فالمؤمن المصدق لعباده كما قال تعالي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ [التوبة: ٦١] معناه: يصدق الله ويصدق المؤمنين (٣).
قوله تعالى: الْمُهَيْمِنُ قال ابن عباس: الشاهد الذي لا يغيب عنه شيء، وهو قول قتادة، ومجاهد، قالوا: معناه الشهيد على عباده بأعمالهم (٤)، وعلى هذا أصله من قولهم: هيمن يهيمن فهو مهيمن إذا كان رقيبًا على الشيء (٥). وهو قول الخليل، وأبي عبيد.
وذهب كثير من المفسرين وأهل المعاني على أن المهيمن مؤيمن على الأصل من أمن يؤمن، فيكون بمعنى المؤمن (٦)، وقد ذكرنا استقصاء هذا عند قوله: وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ [المائدة: ٤٨] قال ابن الأنباري: المهيمن القائم على خلقه برزقه وأنشد:

(١) في (ك): (فيقول).
(٢) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس ٣/ ٤٠٧، و"اللسان" ١/ ١٠٩ (أمن).
(٣) انظر: "اللسان" ١/ ١٠٩ (أمن).
(٤) انظر: "تفسير عبد الرزاق" ٢/ ٢٨٥، و"جامع البيان" ٢٨/ ٣٦، و"إعراب القرآن" للنحاس ٣/ ٤٠٧، و"الكشف والبيان" ١٣/ ١٠٣ أ.
(٥) انظر: "تهذيب اللغة" ٦/ ٣٣٤ (همن)، و"إعراب القرآن" للنحاس ٣/ ٤٠٧، و"زاد المسير" ٨/ ٢٢٦، و"روح المعاني" ٦/ ١٥٢.
(٦) انظر: تفسير "غريب القرآن " ص ١١ - ١٢، و"معاني القرآن" للزجاج ٥/ ١٥٠، و"إعراب القرآن" للنحاس ٣/ ٤٠٧.

صفحة رقم 395

ألا إن خير الناس بعد نبيه مهيمنه التاليه في العرف والنكر
قال معناه: القائم على الناس بعده (١). وقال ابن كيسان في المهيمن: الله أعلم بتأويله (٢).
قوله تعالى: الْجَبَّارُ له معان في صفة الله تعالى، قال ابن عباس: هو العظيم، وجبروت الله عظمته (٣)، وعلى هذا القول: الجبار الملك. والجبابرة الملوك ومنه الحديث "جلد الكافر في النار كثافته أربعون ذراعًا بذراع الجبار"، وهذا كما يقال: كذا ذراعًا بذراع الملك، والجبر في كلام العرب الملك ومنه قول الشاعر:
وانعم صباحًا أيها الجبر (٤)
أراد: أيها الملك. والعرب تسمي الجوزاء الجبار، تشبيهًا لها بالملك، لأنها في صورة رجل على كرسي وعليه تاج، ويجوز أن يكون الجبار في صفة الله تعالى من جبر إذا أغنى الفقير، وأصلح الكسير.
قال الأزهري: وهو لعمري جابر (٥) كسير وفقير، وهو جابر دينه
(١) انظر: "تهذيب اللغة" ٦/ ٣٣٤، و"اللسان" ٣/ ٨٣٣ (همن)، و"التفسير الكبير" ٢٩/ ٢٩٣.
(٢) انظر: "الكشف والبيان" ١٣/ ١٠٣ أ، و"معالم التنزيل" ٤/ ٣٢٧.
(٣) انظر: "الكشف والبيان" ١٣/ ١٠٣ أ، و"زاد المسير" ٨/ ٢٢٧، و"التفسير الكبير" ٢٩/ ٢٩٤.
(٤) وصدره:
أسْلَمْ براووُقٍ حُييتَ به
والبيت لعمرو بن أحمر، وقد ورد منسوبًا في "الخصائص" ٢/ ٢١، "المحتسب" ١/ ٩٧، و"تهذيب اللغة" ١١/ ٥٩، و"اللسان" ١/ ٣٩٥ (جبر).
(٥) (ك): (على).

صفحة رقم 396

الذي ارتضاه كما قال العجاج:
قد جبر الدين الإله فجبر (١)
قال اللحياني: يقال جبرت اليتيم والفقير أجْبُرُه جَبْرًا وجُبُورًا، فَجَبَرَ يجْبُرُ جُبُورًا، وانْجَبَرَ، واجْتَبَرَ بمعنى واحد (٢).
ويجوز أن يكون الجبار من جبره على كذا إذا أكرهه على ما أراد. قال السدي: هو الذي يقهر الناس ويجبرهم على ما أراد (٣). ونحو ذلك قال مقاتل (٤)، وهو من جبرته على الأمر أجبره جبرًا وجبورًا (٥).
وكان الشافعي -رحمه الله- يقول: جبره السلطان على كذا بغير ألف (٦).
وجعل الفراء الجبار بهذا المعنى من أجبر، وهي اللغة المعروفة في الإكراه، فقال: لم أسمع فعالاً من أفعل إلا في حرفين، وهما جبار من أجبر، ودراك من أدرك (٧). وعلى هذا القول الجبار معناه: القهار الذي يجبر على ما يريد.
قال القرظي: إنما سمي الجبار، لأنه جبر الخلق على ما أراد.

(١) "ديوان العجاج" ص ١٥، وصدره:
وعور الرحن من ولى العور
و"الخصائص" ٢/ ٢٦٣، و"اللسان" ١/ ٣٩٦ (جبر)، و"شرح الأشموني لألفية ابن مالك" ٤/ ٢٤١.
(٢) انظر: "تهذيب اللغة" ١١/ ٦٠ (جبر).
(٣) انظر: " الكشف والبيان" ١٢/ ١٠٣ أ، و"التفسير الكبير" ٢٩/ ٢٩٣.
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" ١٥٠ أ، و"معالم التنزيل" ٤/ ٣٢٧.
(٥) انظر: "اللسان" ١/ ٣٩٦ (جبر).
(٦) انظر: " اللسان" ١/ ٣٩٦، وقال ابن منظور. وهو حجازي وفصيح.
(٧) انظر: "التفسير الكبير" ٢٩/ ٢٩٣ - ٢٩٤، و"البحر المحيط" ٨/ ٢٥١.

صفحة رقم 397

والخلق أرق شأنا من أن يعصوا ربهم طرفة عين إلا بما أراد (١) وهذا القول هو اختيار الزجاج، لأنه قال: تأويله الذي جبر الخلق على ما أراد (٢).
وقال ابن الأنباري: الجبار في صفة الله: الذي لا ينال، ومنه قيل للنخلة التي فاتت يد المتناول: جبارة (٣).
هذا الذي ذكرنا معاني الجبار في صفة الله تعالى، وللجبار معان في صفة الخلق:
أحدهما: المسلط كقوله: وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ [ق: ٤٥].
والثاني: القوي العظيم الجسم، كقوله: إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ [المائدة: ٢٢].
وقوله: إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا [القصص: ١٩].
والثالث: التكبر على عبادة الله، كقوله: وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا [مريم: ٣٢].
والرابع: القتال كقوله: بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ [الشعراء: ١٣٠].
وقوله: إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ، ذكر ذلك ابن الأنباري (٤). ومضى الكلام على كل واحد في موضعه.
قوله: الْمُتَكَبِّرُ قال ابن عباس: الذي تكبر بربوبيته فلا شيء مثله (٥).

(١) انظر: "الكشف والبيان" ١٣/ ١٠٣ أ، و"الدر" ٦/ ٢٠٢.
(٢) انظر: "معاني القرآن" للزجاج ٥/ ١٥١.
(٣) انظر: "تهذيب اللغة" ١١/ ٥٨ (جبر)، و"اللسان" ١/ ٣٩٥ (جبر)، و"التفسير الكبير" ٢٩/ ٢٩٤.
(٤) انظر: "تهذيب اللغة" ١١/ ٥١، و"اللسان" ١/ ٣٩٥ (جبر)، وقد نسباه للحياني.
(٥) انظر: "التفسير الكبير" ٢٩/ ٢٩٤.

صفحة رقم 398

وقال مقاتل: المتعظم عن كل سوء (١)، وهو قول قتادة: الذي تكبر عن كل سوء (٢).
وقال أبو إسحاق: الذي تكبر عن ظلم عباده (٣).
قال ابن الأنباري: المتكبر ذو الكبرياء، والكبرياء عند العرب: الملك، ومنه قوله: وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ (٤).
وقال أهل المعاني: المتكبر في صفة الله تعالى معناه الكبرياء فإنه أجل من أن يتكلف كبرًا، والعرب تضع يفعل في موضع فعل، يقولون: تظلم بمعنى ظلم، ومنه قول الجعدي:

وما يشعر الرُّمْحُ الأصم كُعوبُه بثروة رهط الا ثلج المتظلمِ (٥)
ويقولون لشتم الرجل إذا شتم، قال الشاعر:
فقل لزهيرٍ إن شَتَمْتَ سَرَاتَنا فلسنا بشَتَّامين للمُتَشَتِّم (٦)
(١) انظر: "تفسير مقاتل" ١٥٠ أ، ولفظه: (المتعظم على كل شيء).
(٢) انظر: "تفسير عبد الرزاق" ٢/ ٢٨٥، و"جامع البيان" ٢٨/ ٣٧.
(٣) انظر: "معاني القرآن" للزجاج ٥/ ١٥١.
(٤) من آية (٧٨) من سورة يونس. وانظر: "تهذيب اللغة"، و"اللسان" (كبر) عن ابن الأنباري.
(٥) "ديوان النابغة" ص ١٤٤، و"كتاب سيبويه في شرح شواهده" للأعلم ١/ ٢٣٧، و"الأغاني" ٤/ ١٣٩، و"السبع الطوال" ص ٣٤٧، و"شروح سقط الزند" صس ٥٩٢، و"اللسان" (ظلم).
(٦) والبيت لمعبد بن علقمة. انظر: "الحماسة" لأبي تمام ١/ ٣٦٢.

صفحة رقم 399

سورة الممتحنة

صفحة رقم 401

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية