أخرج بن إسحاق عن يزيد ابن رومان قال لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير تحصنوا منه في الحصون فأمر بقطع النخل والتحريق فيها، وذكر محمد ابن يوسف الصالحي أنه صلى الله عليه وسلم استعمل على قطعها أبا ليلى المازني وعبد الله ابن سلام، وكان أبو ليلى يقطع العجوة وكان عبد الله بن سلام يقطع اللون فقيل لهما ذاك، فقال أبو ليلى العجوة أحرق لهم، وقال عبد الله بن سلام قد عرفت أن الله سيغنم أموالهم العجوة خير أموالهم، فلما قطعت العجوة شق النساء الجيوب وضربن الخدود ودعون بالويل، فجعل سلام ابن مشكهم يقول يا حيي العذق من العجوة بفرس فلا يطعم ثلاثين سنة تقطع، فأرسل حيي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كنت تنهى عن الفساد فلم تقطع النخل ووجد بعض المسلمين في أنفسهم من قولهم وخشوا أن يكون فسادا، فقال بعضهم لا تقطعوا فإنه مما أفاء الله علينا وقال بعضهم بل نغيظهم فأنزل الله تعالى : ما قطعتم من لينة كما فعل أبو ليلى، ما شرطية منصوب المحل مفعول لقطعتم ومن لينة بيان له يعني أي شيء قطعتم حال كونه من لينة فعلتم من اللون ويجمع على الألوان، وقيل هو من اللين كذا ذكر في الصحاح. قال البغوي اختلفوا في معنى اللينة، فقال قوم النخل كلها لينة خلا العجوة وهو قول عكرمة وقتادة، ورواية زاذان عن ابن عباس قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يقطع نخلهم إلا العجوة، وأهل المدينة ما خلا العجوة من التمر الألوان واحدها لين ولينة وقال لزهري هو ألوان النخل كلها إلا العجوة والبرنية وقال مجاهد وعطية هي النخل كلها من غير استثناء وقال العوفي عن ابن عباس من النخل وقال سفيان هي كرام النخل وقال مقاتل هي ضرب من النخل يقال لتمرها اللون وهي شديد الصفرة يرى نواة من خارج يغيب في الضرس، وكان من أجود تمر هي أعجب إليهم وكانت النخلة الواحدة ثمنها ثمن رصيف وأحب إليهم رصيف، أو تركتموها قائمة على أصولها كما فعل عبد الله ابن سلام، فبإذن الله خبر مبتدأ محذوف يعني فقطعه وتركه بإذن الله ليس في شيء من ذلك إثم، أخرج البخاري عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرق نخل بني نضير وقطع وهي البويرة، هذه الآية كذا روى أصحاب الكتب وأخرج أبو يعلى بسند ضعيف عن جابر قال رخص قطع النخل ثم شدد عليهم فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم قالوا يا رسول الله هل علينا إثم فيها قطعنا وتركنا، فأنزل الله هذه الآية وليخزي الله بالإذن في القطع الفاسقين اليهود عطف على بإذن الله وعلة لمحذوف، والجملة معطوفة على جملة تقريره وفعلتم أو إذن لكم لنخزيهم على فسقهم بما غاظهم منه.
مسألة :
من هاهنا أبو حنيفة إذا حاصر الإمام حصنا للكفار أن ينقطع أشجارهم ويفسد زروعهم وهدم بيوتهم ويحرقها، قال ابن همام هذا إذا لم يغلب على الظن أنهم مأخوذون بغير ذلك، فإن كان الظن أنهم مغلوبون وأن الفتح لا بد منه كره ذلك لأنه فساد وفي غيره محل الحاجة وما أبيح إلا لها، وقال أحمد لا يجوز قطع أشجارهم إلا بأحد الشرطين أحدهما أن يفعلوا بنا مثل ذلك ثانيهما أن يكون لنا حاجة إلى قطع ذلك لنتمكن من قتالهم، وقال الشافعي يجوز إتلاف بنائهم وشجرهم لحاجة القتال والظفر بهم وكذا عن لم يرج حصولها لنا فإن رجى ندب الترك، والدليل على جواز قطع الأشجار هذه الآية والحديثين المذكورين، وما روى أحمد عن أسامة ابن زيد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قرية قال ائتها صباحا ثم حرق قال ابن الجوزي احتجاجا لمذهبه : إنه قد روى أصحابنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا بعث جيشا قال لا تعودوا عينا ولا تعقروا شجرا يمنعكم من القتال، والحديثان يعني حديث ابن عمر وحديث أسامة ابن زيد محمولان على ما ذكرنا انتهى كلامه، قلنا لا يجوز على ما ذكر ابن الجوزي لأن بني نضير لم يقطعوا أشجار المدينة قط، ولا دليل على كون القطع لحاجة القتال بل الآية صريحة في أن الأمر بالقطع كان لخزي الفاسقين وكبت أعداء الله وكسر شوكتهم لا لغرض آخر لكن الظاهر أن الفتح لم يكن غالبا في الظن حين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع أشجارهم يدل على قوله تعالى : ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم ، وما روى أصحاب أحمد حجة على عدم جواز القطع إن صح لا يمكن أن يكون معارضا لكتاب الله المستلزم للجواز والله أعلم.
التفسير المظهري
المظهري