تمهيد :
لوّن القرآن في أساليب دعوته، ونوّع فيها، وصرّف في ألوان القول، وعدا بالجنة أو تخويفا من النار.
وهنا يعرض سلعة رابحة هي الجنة، في أسلوب من التشويق، فيبين أن مدة الدنيا محدودة، ومن يبيع ماله لله، ويقدّم نفسه للجهاد في سبيل الله، فإنه يقدّم رأس المال لصفقة متميزة.
يدفع العبد ماله ويقدم فسه للجهاد في سبيل الله ويشتري مغفرة من الله، وجنة متميزة بكلّ المتع وفوق ذلك يجد نصرا من الله وفتحا قريبا، وبشارة بالعزة والسيادة.
التفسير :
١١ - تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ .
وكأن سائلا سأل فقال : وما هي تلك التجارات ؟ فكان الجواب هو : الإيمان بالله ورسوله، أي شدة اليقين والتصديق، وتأكيد الإيمان وتعميقه، كم قال تعالى : يأيها الذين آمَنوا آمِنوا... ( النساء : ١٣٦ ).
ثم قال تعالى : وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ...
وقدم الجهاد بالمال هنا على الجهاد بالنفس، لأن الموضوع موضوع تجارة رابحة، فقدم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس، فالمال عصبُ الجهاد، وبه تشترى الأسلحة والأطعمة للمجاهدين، وينفق به عليهم، وعلى الاستخبارات عن العدوّ، وعلى الاستحكامات الحربية.
وبعد الجهاد بالمال يأتي الجهاد بالنفس، ويشمل ذلك القتال والتطوع للفداء، وتفجير المجاهد نفسه في ممتلكات العدوّ وأفراده، وسائر أدوات نصر المسلمين، والنيل من أعدائهم.
ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ .
أي : هذا الأمر – وهو الجهاد في سبيل الله بالمال والنفس – خير لكم على الإطلاق من أموالكم وأنفسكم.
وفي معنى الآية قوله تعالى : إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة... ( التوبة : ١١١ ).
لكنه قدّم النفس على المال في سورة التوبة، حيث الموضوع موضوع شراء فقدم النفس على المال، أما هنا في سورة الصف فقد كان للموضوع موضوع تجارة، والتجارة يقدم فيها المال على النفس هكذا يقول بعض المفسرين، ويمكن أن نضيف إلى ذلك أن الموضوع موضوع تنويع وتشويق من القرآن الكريم، وأن القرآن لوّن في أساليب البيان، فأحيانا يقدم النفس على المال، وأحيانا يقدّم المال على النفس، من باب التنويع والتغيير، والله أعلم.
تفسير القرآن الكريم
شحاته