قال ابن عباس: يريد فتح فارس والروم (١).
وقال الكلبي: يعني النصر على كفار قريش وفتح مكة (٢).
قوله تعالى: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ قال مقاتل: وبشر يا محمد المؤمنين بالنصر في الدنيا، والجنة في الآخرة (٣). وقد ذكرهما في قوله: وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي وقوله: نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ.
ثم خص المؤمنين على نصرة دينه، فقال:
١٤ - يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ بهذا أمر إدامة النصرة والثبات عليه. أي: دوموا على ما أنتم عليه من النصرة، يدل على هذا أن في حرف عبد الله (يا أيها الذين آمنوا أنتم أنصار الله) (٤) بغير تنوين (٥) كقوله: نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ ولم يقل أنصار لله، والمعني في أَنْصَارُ اللَّهِ أنصار دين
(٢) وهو المنسوب لابن عباس. انظر: "تنوير المقباس" ٦/ ٦٤، و"معالم التنزيل" ٤/ ٣٣٨، و"زاد المسير" ٨/ ٢٥٥.
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" ١٥٤ أ، و"معالم التنزيل" ٤/ ٣٣٨.
(٤) انظر: "معاني القرآن" للفراء ٣/ ١٥٥، و"الحجة للقراء السبعة" ٦/ ٢٩٠، و"الكشاف" ٤/ ٩٥.
(٥) في قوله (أنصار الله) قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو (أنصارا لله) منونًا وحجتهم في ذلك إجماع الجميع على الإضافة في قوله (فمن أنصار الله) وقرأ ابن عامر، ويعقوب، وحمزة، والكسائي، وعاصم (أنصار الله) غير منون مضافا إلى لفظ الجلالة. انظر: "حجة القراءات" ص ٧٠٨، و"النشر" ٢/ ٣٨٧، و"الإتحاف" ص ٤١٦، وقال ابن جرير: والصواب من القول في ذلك عندي أنهما قراءتان صحيحتان المعنى فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. "جامع البيان" ٢٨/ ٥٩.
الله (١). فترك ذكر الدين لتشريف النصر لدين الله.
كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ أي: انصروا دين الله مثل نصرة الحواريين لما قال لهم عيسى مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قال مقاتل: يعني من يمنعنى مع الله (٢).
وقال عطاء: يريد من ينصرني وينصر دين الله (٣).
وقال مقاتل: أمر الله المؤمنين أن ينصروا محمدًا كما نصر الحواريون عيسى (٤).
وكان الله قد أوحى إلى عيسى: إذا أنت دخلت القرية فأت النهر الذي عليه القصارون فسلهم النصر، فأتاهم عيسى فقال لهم مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ يقول: من ينصرني مع الله، فقالوا: نحن ننصرك. فاتبعوه وصدقوه ونصروه.
قال مقاتل: مرَ بهم ببيت المقدس وهم يقصرون الثيات فقال لهم هذا (٥).
ومضى الكلام في إِلَى بمعنى مع عند قوله: وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ (٦).
قوله تعالى: فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ قال سعيد بن
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" ١٥٤ ب، و"معالم التنزيل" ٤/ ٣٣٨.
(٣) لم أجده.
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" ١٥٤ أ.
(٥) انظر: "تفسير مقاتل" ١٥٤ أ.
(٦) عند تفسيره الآية (٢) من سورة النساء. وانظر: "معاني الحروف" للرماني ص ١١٥.
جبير عن ابن عباس: يعني الطائفة التي كفرت في زمن عيسى، والتي آمنت في زمان عيسي، وذلك أن عيسى عليه السلام لما رفع إلى السماء تفرقوا ثلاث فرق:
فرقة قالوا: كان الله فارتفع.
وفرقة قالوا: كان ابن الله فرفعه الله إليه.
وفرقة قالوا: كان عبد الله ورسوله فرفعه إليه، وهو المسلمون.
واتبع كل فرقة منهم طائفة من الناس، واجتمعت الطائفتان الكافرتان على الطائفة المسلمة فقتلوهم وطردوهم وظهر أمرهم فلم يزالوا كذلك حتى بعث الله محمدا -صلى الله عليه وسلم- فاقتتلوا، فظهرت المؤمنة على الكافرة، فذلك قوله تعالى: فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ (١).
قال مجاهد: فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ يعني من أَتبع عيسى (٢). ونحو هذا قال المقاتلان (٣).
وعلى هذا القول معنى الآية أن من آمن بعيسى ظهروا على من كفر به، وأصبحوا عالين على أهل الأديان.
وقال إبراهيم: أصبحت حجة من آمن بعيسى ظاهرة بتصديق محمد -صلى الله عليه وسلم- عيسى كلمة الله وروحه (٤).
(٢) انظر: "تفسير مجاهد" ٢/ ٦٧٢، و"جامع البيان" ٢٨/ ٦٠ و"الدر" ٦/ ٢١٤.
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" ١٥٤ ب، و"التفسير الكبير" ٢٩/ ١٣٩.
(٤) انظر: "جامع البيان" ٢٨/ ٦٠، و"زاد المسير" ٨/ ٢٥٦.
وهذا قول الكلبي: ظاهرين بالحجة (١).
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي