ثم جازاهم على ذلك فقال : سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ
كما قال في سورة " براءة " وقد تقدم الكلام على ذلك، وإيراد الأحاديث المروية هنالك.
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي، حدثنا ابنُ أبي عُمَر العَدَني١ قال : قال سفيان لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ قال ابن أبي عمر : حوَّلَ سفيان وجهه على يمينه، ونظر بعينه شَزْرا، ثم قال : هم٢ هذا.
وقد ذكر غير واحد من السلف أن هذا السياق كله نزل في عبد الله بن أبي بن سلول كما سنورده قريبًا إن شاء الله تعالى، وبه الثقة وعليه التكلان.
وقد قال محمد بن إسحاق في السيرة : ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة - يعني مَرْجعَه من أحد - وكان عبد الله بن أبي بن سلول - كما حدثني ابن شهاب الزهري - له مقام يَقُومه كل جُمُعة لا ينُكر، شرفًا له من نفسه ومن قومه، وكان فيهم شريفا، إذا جلس النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة وهو يخطب الناس قام، فقال : أيها الناس، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهركم، أكرمكم الله به، وأعزكم به، فانصروه وعَزّروه، واسمعوا له وأطيعوا. ثم جلس، حتى إذا صنع يوم أُحد ما صَنَع - يعني مرجعه بثلث الجيش - ورجع الناس قام يفعل ذلك كما كان يفعله، فأخذ المسلمون بثيابه من نواحيه وقالوا : اجلس، أي عدو الله، لست لذلك بأهل، وقد صنعتَ ما صنعتَ. فخرج يتخطى رقاب الناس وهو يقول : والله لكأنما قلت بَجْرًا ؛ أن قُمت أشدد أمره. فلقيه رجال من الأنصار بباب المسجد فقالوا : ويلك. ما لك ؟ قال : قمتُ أشدد أمره، فوثب علي رجال من أصحابه يجذبونني ويعنفونني، لكأنما قلت بَجْرًا، أن قمت أشدد أمره. قالوا : ويلك. ارجع يستغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال : والله ما أبتغي أن يستغفر لي٣
وقال قتادة والسدي : أنزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي، وذلك أن غلاما من قرابته انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثه بحديث عنه وأمر شديد، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو يحلف بالله ويتبرأ من ذلك، وأقبلت الأنصار على ذلك الغلام فلاموه وعَذَموه٤ وأنزل الله فيه ما تسمعون، وقيل لعدو٥ الله : لو أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فجعل يلوي رأسه، أي : لست فاعلا٦
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي، حدثنا أبو الربيع الزهراني، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا أيوب، عن سعيد بن جبير : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل منزلا لم يرتحل حتى يصلي فيه، فلما كانت غزوة تبوك بلغه أنَّ عبدَ الله ابن أبي بن سلول قال : لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنْهَا الأذَلَّ فارتحل قبل أن ينزل آخر النهار، وقيل لعبد الله بن أبي : ائت النبي صلى الله عليه وسلم حتى يستغفر لك. فأنزل الله : إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ إلى قوله : وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ
وهذا إسناد صحيح إلى سعيد بن جبير. وقوله : إن ذلك كان في غزوة تبوك، فيه نظر، بل ليس بجيد ؛ فإن عبد الله بن أبي بن سلول لم يكن ممن خرج في غزوة تبوك، بل رجع بطائفة من الجيش. وإنما المشهور عند أصحاب المغازي والسير أن ذلك كان في غزوة المُرَيسيع، وهي غزوة بني المصطلق.
قال يونس بن بُكَيْر، عن ابن إسحاق : حدثني محمد بن يحيى بن حبان، وعبد الله بن أبي بكر، وعاصم بن عُمَر بن قتادة، في قصة بني المصطلق : فبينا رسول الله مقيم هناك، اقتتل على الماء جَهجاه بن سعيد الغفاري - وكان أجيرا - لعمر بن الخطاب، وسنان بن وَبْر٧ قال ابن إسحاق : فحدثني محمد بن يحيى بن حبان قال : ازدحما على الماء فاقتتلا فقال سنان : يا معشر الأنصار. وقال الجهجاه : يا معشر المهاجرين - وزيد بن أرقم ونفر من الأنصار عند عبد الله بن أبي - فلما سمعها قال : قد ثاورُونا في بلادنا. والله ما مثلُنا وجلابيب قريش هذه إلا كما قال القائل :" سَمن كلبك يأكلك ". والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. ثم أقبل على من عنده من قومه وقال : هذا ما صنعتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو كففتم عنهم لتحولوا عنكم في بلادكم إلى غيرها. فسمعها زيد ابن أرقم، فذهب بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غُلَيّمٌ - وعنده عمر بن الخطاب رضي الله عنه - فأخبره الخبر، فقال عمر رضي الله عنه : يا رسول الله مر عَبّاد بن بشرْ٨ فليضرب عنقه. فقال صلى الله عليه وسلم :" فكيف إذا تحدث الناس - يا عمر - أن محمدا يقتل أصحابه ؟ لا ولكن ناد يا عمر في الرحيل ".
فلما بلغ عبد الله بن أبي أن ذلك قد بلغ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، أتاه فاعتذر إليه، وحلف بالله ما قال ما قال عليه زيد بن أرقم - وكان عند قومه بمكان - فقالوا : يا رسول الله، عسى أن يكون هذا الغلام أوهم ولم يثبت ما قال الرجل.
وراح رسول الله صلى الله عليه وسلم مُهجرًا في ساعة كان لا يروح فيها، فلقيه أسيد بن الحضير فسلم عليه بتحية النبوة، ثم قال : والله لقد رُحتَ في ساعة مُنكَرَة ما كنت تروح فيها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أما بلغك٩ ما قال صاحبك ابن أبي ؟. زعم أنه إذا قدم المدينة سيخرج الأعز منها الأذل ". قال : فأنت - يا رسول الله - العزيزُ وهو الذليل. ثم قال : يا رسول الله ارفق به فوالله لقد جاء الله بك وإنا لننظم له الخَرزَ لِنُتَوّجه، فإنه ليرى١٠ أن قد استلبتَه ملكا.
فسار رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس حتى أمسوا، ليلته حتى أصبحوا، وصَدرَ يومه حتى اشتد الضحى. ثم نزل بالناس ليشغلهم عما كان من الحديث، فلم يأمن الناس أن وجدوا مَس الأرض فناموا، ونزلت سورة المنافقين١١
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو بكر بن إسحاق، أخبرنا بشر بن موسى، حدثنا الحُميدي، حدثنا سفيان، حدثنا١٢ عمرو بن دينار، سمعت جابر بن عبد الله يقول : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غَزَاة فكَسَعَ رجلٌ من المهاجرين رجلا من الأنصار، فقال الأنصاري : ياللأنصار. وقال المهاجري : يا للمهاجرين. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ما بال دعوى الجاهلية ؟ دعوها فإنها منتنة ". وقال عبد الله بن أبي بن سلول - وقد فعلوها - : والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. قال جابر : وكان الأنصار بالمدينة أكثر من المهاجرين حين قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم كثر المهاجرون بعد ذلك، فقال عمر : دعني أضرب عنق هذا المنافق. فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" دعه ؛ لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه " ١٣
ورواه الإمام أحمد عن حسين بن محمد المروزي، عن سفيان بن عيينة١٤ ورواه البخاري عن الحميدي، ومسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وغيره، عن سفيان، به نحوه١٥
وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن محمد بن كعب القرظي، عن زيد بن أرقم قال : كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فقال عبد الله بن أبي : لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. قال : فأتيت النبي ١٦ صلى الله عليه وسلم فأخبرته، قال : فحلف عبد الله بن أبي أنه لم يكن شيء من ذلك. قال : فلامني قومي وقالوا : ما أردتَ إلى هذا ؟ قال : فانطلقت فنمتُ كئيبا حَزينا، قال : فأرسل إلي نبي الله صلى الله عليه وسلم فقال :" إن الله قد أنزل عُذركَ وصَدَّقك ". قال : فنزلت هذه الآية هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا حتى بلغ : لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنْهَا الأذَلَّ
ورواه البخاري عند هذه الآية، عن آدم بن أبي إياس، عن شعبة١٧ ثم قال :" وقال ابن أبي زائدة، عن الأعمش، عن عمرو، عن ابن أبي ليلى، عن زيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم ورواه الترمذي والنسائي عندها أيضا من حديث شعبة، به١٨
طريق أخرى عن زيد : قال الإمام أحمد، رحمه الله، حدثنا يحيى بن آدم، ويحيى بن أبي بُكَير ١٩ قال : حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق قال : سمعت زيد بن أرقم - وقال ابن أبي بُكَير٢٠ عن زيد بن أرقم - قال : خرجت مع عمي في غزاة، فسمعت عبد الله بن أبي بن سلول يقول لأصحابه : لا تنفقوا على من عند رسول الله، ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. فذكرت ذلك لعمي فذكره عمي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثته فأرسل إلى عبد الله بن أبي بن سلول وأصحابه فحلفوا ما قالوا : فكَذبني رسول الله صلى الله عليه وسلم وصَدَّقه، فأصابني هَمٌ لم يصبني مثله قط، وجلست في البيت، فقال عمي : ما أردت إلا أن كذبك رسول الله صلى الله عليه وسلم ومقتك. قال : حتى أنزل الله : إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قال : فبعث إليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأها رسول الله على، ثم قال :" إن الله قد صدقك " ٢١
ثم قال أحمد أيضا : حدثنا حسن بن موسى، حدثنا زهير، حدثنا أبو إسحاق : أنه سمع زيد ابن أرقم يقول : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فأصاب الناس شدةٌ، فقال عبد الله بن أبي لأصحابه : لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله. وقال : لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته بذلك، فأرسل إلى عبد الله بن أبي فسأله، فاجتهد يمينَه ما فعل. فقالوا : كذب زيد يا رسول الله. فوقع في نفسي ما قالوا، حتى أنزل الله تصديقي : إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قال : ودعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستغفر لهم، فلووا رؤوسهم. وقوله تعالى : كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ قال : كانوا رجالا أجمل شيء.
وقد رواه البخاري ومسلم والنسائي، من حديث زهير٢٢ ورواه البخاري أيضا والترمذي من حديث إسرائيل، كلاهما عن أبي إسحاق عمرو٢٣ بن عبد الله السَّبيعيّ الهمداني الكوفي، عن زيد، به٢٤.
طريق أخرى عن زيد : قال أبو عيسى الترمذي : حدثنا عبد بن حُمَيد، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن السدي، عن أبي سعد٢٥ الأزدي قال : حدثنا زيد بن أرقم قال : غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان معنا أناس من الأعراب، فكنا نَبتَدرُ الماء، وكان الأعراب يسبقوننا يسبق الأعرابي أصحابه يملأ الحوض، ويجعل حوله حجارة، ويجعل النّطع عليه حتى يجيء أصحابه. قال : فأتى رجل من الأنصار الأعرابي، فأرخى زمام ناقته لتشرب، فأبى أن يدعه، فانتزع حجرًا ففاض الماء، فرفع الأعرابي خشبة، فضرب بها رأس الأنصاري فشجّه، فأتى عبدَ الله بن أبيّ رأسَ المنافقين فأخبره - وكان من أصحابه - فغضب عبد الله بن أبي، ثم قال : لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله - يعني الأعراب - وكانوا يحضرون رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الط
٢ - (٢) في م، أ: "هو"..
٣ - (٣) السيرة النبوية لابن هشام (٢/١٠٥)..
٤ - (٤) في م: "وعزلوه"، وفي أ: "عرموه"..
٥ - (٥) في م، أ: "وقيل لعبد"..
٦ - (٦) رواه الطبري في تفسيره (٢٨/٧١)..
٧ - (١) في م: "سنان بن يزيد"..
٨ - (٢) في أ: "بشير"..
٩ - (٣) في م: "ما بلغك"..
١٠ - (٤) في م: "يرى"..
١١ - (٥) السيرة النبوية لابن هشام (٢/٢٩٠ - ٢٩٢)..
١٢ - (٦) في م: "عن"..
١٣ - (١) دلائل النبوة للبيهقي (٤/٥٣)..
١٤ - (٢) المسند (٣/٣٩٢)..
١٥ - (٣) صحيح البخاري برقم (٤٩٠٧) وصحيح مسلم برقم (٢٥٨٤)..
١٦ - (٤) في م: "رسول الله"..
١٧ - (٥) المسند (٤/٣٦٨) وصحيح البخاري برقم (٤٩٠٢)..
١٨ - (٦) سنن الترمذي برقم (٣٣١٤) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٥٩٤)..
١٩ - (٧) في أ: "بكر"..
٢٠ - (٨) في م: "وقال أبو بكر"..
٢١ - (٩) المسند (٤/٣٧٣)..
٢٢ - (١) المسند (٤/٣٧٣) وصحيح البخاري برقم (٤٩٠٣) وصحيح مسلم برقم (٢٧٧٢) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٥٩٨)..
٢٣ - (٢) في أ: "عن أبي إسحاق عن عمرو"..
٢٤ - (٣) صحيح البخاري برقم (٤٩٠٠) وسنن الترمذي برقم (٣٣١٢)..
٢٥ - (٤) في م: "عن أبي سعيد"..
تفسير القرآن العظيم
أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي
سامي سلامة