ظاهرة في آرائهم وأخلاقهم. ولم يشاهدوا شيئاً من ذلك والعياذ بالله من عمى القلوب وانطماس البصائر.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١-بيان أن الكذب ما خالف الاعتقاد وإن طابق الواقع.
٢- التحذير من الاستمرار على المعصية فإنه يوجب الطبع على القلب ويحرم صاحبه الهداية.
٣- التحذير من الاغترار بالمظاهر كحسن الهندام وفصاحة اللسان.
٤- الكشف عن نفسية الخائن والظالم والمجرم وهو الخوف والتخوف من كل صوت أو كلمة خشية أن يكون ذلك بياناً لحالهم وكشفاً لجرائمهم.
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥) سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٦) هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ (٧) يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ (٨)
شرح الكلمات:
وإذا قيل لهم تعالوا: أي معتذرين.
لووا رؤوسهم: أي رفضوا الاعتذار إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
ورأيتهم يصدون: أي يعرضون عما دعوا إليه وهم مستكبرون.
سواء عليهم استغفرت لهم: أي يا رسولنا.
أم لم تستغفر لهم:
لن يغفر الله لهم: أي إيأس من مغفرة الله لهم.
إن الله لا يهدي القوم الفاسقين: أي لأن من سنة الله أنه لا يهدي القوم الفاسقين المتوغلين في الفسق عن طاعة الرب تعالى وهم كذلك.
يقولون: أي لأهل المدينة.
لا تنفقوا على من عند رسول الله: أي من المهاجرين.
حتى ينفضوا: أي يتفرقوا عنه.
لئن رجعنا إلى المدينة: أي من غزوة كانوا فيها هي غزوة بني المصطلق.
ليخرجن الأعز منها الأذل: يعنون بالأعز أنفسهم، وبالأذل المؤمنين.
ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين: أي الغلبة والعلو والظهور.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في الحديث عن المنافقين فقوله تعالى في الآية (٥) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ وذلك عندما قال ابن أبي ما قال من كلمات خبيثة منها قوله في المهاجرين: سمن كلبك يأكلك. وقوله لصاحبه: لا تنفقوا على المهاجرين حتى يتفرقوا عن محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقوله مهدداً لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز يعني نفسه ورفاقه المنافقين الأذل يعني الأنصار والمهاجرين. فلما قال هذا كله وأكثره في غزوة بني١ المصطلق وأخبر به رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فجاء فحلف بالله ما قال شيئاً من ذلك أبداً وذهب فنزلت هذه السورة الكريمة تكذبه. ولما نزلت هذه السورة بفضيحته جاءه من قال له: يا أبا الحباب (كنية ابن أبي) إنه قد نزل فيك آي شداد فاذهب إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يستغفر لك فلوى رأسه أي عطفه إلى جهة غير جهة من يخاطبه وقال: أمرتموني أن أؤمن فآمنت وأمرتموني أن أعطي زكاة مالي فأعطيت فما بقي إلا أن أسجد لمحمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فنزلت هذه الآيات الثلاث وإذا قيل لهم تعالوا أي معتذرين يستغفر لكم رسول الله. لووا رؤوسهم أي رفضوا العرض ورأيتهم يصدون عنك وهم مستكبرون والمراد بهم ابن أبي عليه لعائن الله قال تعالى لرسوله: سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم فأيأس رسوله من المغفرة لهم، وعلل تعالى ذلك بقوله: إن الله لا يهدي القوم الفاسقين٢
٢ وهم كل من يسبق في علم الله أنه لا يتوب لما أحاط به من الذنوب.
وابن أبي من أكثر الفاسقين فسقاً! إذ جمع بين الكذب والحلف الكاذب والنفاق والشقاق والعداء والكبر والكفر الباطني وذكر تعالى قولات هذا المنافق واحدة بعد واحدة فقال هم الذين يقولون: لا تنفقوا على من عند رسول الله أي قال لإخوانه لا تنفقوا على المهاجرين حتى يتفرقوا عن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقرعه رب العزة وأدبه ببيان فساد ذوقه ورأيه فقال تعالى: وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ١ وَالْأَرْضِ فجميع الأرزاق بيده وهو الذي يرزق من يشاء والمنافق نفسه رزقه على الله فكيف يدعي أنه إذا لم ينفق على من عند رسول الله يجوعون فيتفرقون يطلبون الرزق بعيداً عن محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ولكن المنافقين لعماهم وظلمة نفوسهم ومرض قلوبهم لا يفقهون هذا ولا يفهمونه، ولذا قال رئيسهم كلمته الخبيثة. تلك كانت القولة الأولى. والثانية هي قوله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. قالها في غزوة بني المصطلق وهي غزوة سببها أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أعلم أن بني المصطلق يجتمعون لحربه وقائدهم الحارث بن أبي ضرار وهو أبو جويريه زوج رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إحدى أمهات المؤمنين. فلما سمع بذلك خرج إليهم حتى لقيهم على ماء من مياههم يقال له المريسيع من ناحية قديد إلى الساحل فوقع القتال فهزم الله بني المصطلق وأمكن رسوله من أبنائهم ونسائهم وأموالهم وأفاءها على المؤمنين، واصطفى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لنفسه جويرية بوصفها بنت سيد القوم إكراماً لها ثم عتقها وتزوجها فرأى المؤمنون أن ما بأيديهم من السبي لا ينبغي لهم وقد أصبحوا أصهار نبيهم فعتقوا كل ما بأيديهم فقالت عائشة رضي الله عنها ما أعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها من جويرية بنت الحارث فقد أعتق بتزويج رسول الله لها مائة أهل بيت من بني المصطلق.
في هذه الغزاة قال ابن أبي قولته الخبيثة وذلك أن رجلين٢ أنصارياً ومهاجراً تلاحيا على الماء٣ ٤فكسع المهاجر الأنصاري برجله فصاح ابن أبي قائلا عليكم صاحبكم، ثم قال: والله ما مثلنا ومحمد إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل وغاب عن ذهن هذا المنافق أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين أي الغلبة والظهور والعلو لا للمنافقين والمشركين الكافرين ولكن المنافقين لا يعلمون ذلك ولا غيره لعمى بصائرهم ولما
٢ تقدم ذكر اسميهما وهما: جهجاه، وسنان.
٣ تقدم أن هذا الماء كان بالمشلل.
٤ كسعه: ضربه في دبره.
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
جابر بن موسى بن عبد القادر بن جابر أبو بكر الجزائري