يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله من المعاصي توبة نصوحا بفتح النون على قراءة العامة أي بالغة في النصح والنصح تحري قول أو فعل فيه صلاح صاحبه فهو صفى للتائب فإنه ينصح نفسه بالتوبة وصف به التوبة مجاز مبالغة أو بالغة في النصاحة بمعنى الخياطة فإن التوبة تنصح ما افترق من الدين والتقوى بالذنب أو النصح بمعنى الإخلاص يقال عسل ناصح إذا خلق والمعنى توبة خالصة من الرياء والسمعة وقرأ أبو بكر بضم النون فهو صدر بمعنى انصح كالشكر والشكور أو النصاحة كالثبات والثبوت تقديره ذات نصوح أو تنصح نصوحا أو توبوا نصوحا لأنفسكم، قال البغوي قال عمر وأبي معاذ التوبة النصوح أن يتوب ثم لا يعود إلى الذنب كما لا يعود اللبن إلى الضرع وقال الحسن هي أن يكون العبد نادما على ما مضى مجمعا على أن لا يعود وقال الكلبي هي أن يستغفر باللسان ويندم بالقلب ويمسك بالبدن وقال القرظي يجمع أربعة أشياء الاستغفار باللسان والإقلاع بالأبدان وإضمار ترك العود بالجنان ومهاجرة سيء الإخوان وقال البيضاوي سئل علي رضي الله عنه عن التوبة فقال يجمعها ستة أشياء على الماضي من الذنوب الندم وللفرائض الإعادة ورد المظالم واستحلال الخصوم وأن تعزم على أن تعود وأن تزكي نفسك على طاعة الله كما رأيتها في المعصية عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ذكر بصيغة الإطماع إشعارا بأنه تفضل والتوبة غير موجبة إذ لا يجب على الله شيء وأن العبد لابد من أن يكون بين خوف ورجاء، أخرج أبو نعيم عن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن الله تبارك وتعالى أوحى إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل قل لأهل طاعتي من أمتك أن لا يتكلوا على أعمالهم فإني لا أناصب عبد الحساب يوم القيامة لا أشاء أن أعذبه إلا عذبته وقل لأهل معصيتي من أمتك لا تلقوا بأيديهم فإني أغفر الذنوب العظيمة ولا أبالي ) وأخرج البزار عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم ( يخرج لابن آدم يوم القيامة ثلاثة دواوين ديوان فيه العمل الصالح وديوان فيه ذنوبه وديوان فيه النعم من الله تعالى يقول الله لأصغر نعمة في ديوان النعم خذي منك من العمل الصالح فتستوعب له الصالح فيقول وعزتك ما استوعبت وتبقى الذنوب وقد ذهب اعمل الصالح كله فإذا أراد الله أن يرحم عبدا قال يا عبدي قد ضاعفت لك حسناتك وتجاوزت عن سيآتك وذهبت لك نعمتي ) وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لن ينجي أحدا منكم عمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل ) ١ وفي الباب أحاديث كثيرة يوم لا يخزي الله النبي ظرف ليدخلكم والذين آمنوا معه عطف على النبي إحمادا لهم وتعريضا لمن نأواهم على هذا جملة { نورهم يسعى علة لعدم إخزائهم وقيل الموصول مبتدأه خبره نورهم يسعى بين أيديهم ويكون وبأيمانهم على الصراط يقولون مستأنف أو خبر بعد خبر للموصول يقولون ذلك إذا الطفى نور المنافقين ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير تعليل للإتمام لتفاوت أنوارهم بحسب أعمالهم فيسألون إتمامه تفضلا وقد ذكرنا تفاوت الأنوار والأعمال الموجبة للنور في سورة الحديد.
التفسير المظهري
المظهري