ولما كان لم يكن بعد الاستعطاف إلا الإنذار، قال تعالى مهدداً للمكذبين : أأمنتم قرأ قنبل في الوصل بإبدال الهمزة بعد راء النشور واواً، وسهل الهمزة الثانية نافع وابن كثير وأبو عمرو وهشام بخلاف عنه، وحققها الباقون، وأدخل بينهما ألفاً قالون وأبو عمرو وهشام، والباقون بغير إدخال، وقوله تعالى : من في السماء فيه وجوه :
أحدها : من ملكوته في السماء، لأنها مسكن ملائكته، وثم عرشه وكرسيه واللوح المحفوظ، ومنها ينزل قضاياه وكتبه وأوامره ونواهيه.
والثاني : أن ذلك على حذف مضاف، أي : أأمنتم خالق من في السماء.
والثالث : أن في بمعنى على، أي : على السماء، كقوله : ولأصلبنكم في جذوع النخل [ طه : ٧١ ] أي : على جذوع النخل، وإنما احتاج القائل بهذين الوجهين إلى ذلك، لأنه اعتقد أن من واقعة على الباري تعالى شأنه، وهو الظاهر، وثبت بالدليل القطعي أنه ليس بمتحيز لئلا يلزم التجسيم، ولا حاجة إلى ذلك، فإن من هنا المراد بها الملائكة سكان السماء، وهم الذين يتولون الرحمة والنقمة.
والرابع : أنهم خوطبوا بذلك على اعتقادهم، فإن القوم كانوا مجسمة مشبهة، وأنه في السماء، وأن الرحمة والعذاب نازلان منه، وكانوا يدعونه من جهتها، فقيل لهم على حسب اعتقادهم : أأمنتم من في السماء أي : من تزعمون أنه في السماء. قال الرازي : هذه الآية لا يمكن إجراؤها على ظاهرها بإجماع المسلمين، لأنّ ذلك يقتضي إحاطة السماء به من جميع الجوانب، فيكون أصغر منها، والعرش أكبر من السماء بكثير، فيكون حقيراً بالنسبة إلى العرش وهو باطل بالاتفاق، ولأنه تعالى قال : قل لمن ما في السماوات والأرض [ الأنعام : ١٢ ] فلو كان فيها لكان مالكاً لنفسه، فالمعنى : إما من في السماء عذابه، وإما إن ذلك بحسب ما كانت العرب تعتقده، وإما من في السماء سلطانه وملكه وقدرته، كما قال تعالى : وهو الله في السماوات وفي الأرض [ الأنعام : ٣ ] فإن الشيء الواحد لا يكون دفعة في مكانين، والغرض من ذكر السماء، تفخيم سلطان الله سبحانه وتعظيم قدرته، والمراد الملك الموكل بالعذاب، وهو جبريل عليه السلام.
وقوله تعالى : أن يخسف بكم الأرض بدل من من في السماء بدل اشتمال، وقال القرطبي : يحتمل أن يكون المعنى : أأمنتم خالق من في السماء أن يخسف بكم الأرض كما خسفها بقارون، وقرأ : من في السماء أن نافع وابن كثير وأبو عمرو بإبدال الهمزة الثانية المفتوحة بعد الكسرة ياء في الوصل والباقون بتحقيقهما فإذا هي أي : الأرض التي أنتم عليها تمور أي : تضطرب وهي تهوي بكم وتجري هابطة في الهواء، وتتكفأ إلى حيث شاء سبحانه، قال في «القاموس » : المور الاضطراب والجريان على وجه الأرض والتحرك، وقال الرازي : إن الله تعالى يحرك الأرض عند الخسف بهم حتى تضطرب وتتحرك، فتعلو عليهم وهم يخسفون فيها يذهبون، والأرض فوقهم تمور فتقلبهم إلى أسفل السافلين.
وقال القرطبي : قال المحققون : أأمنتم من فوق السماء كقوله تعالى : فسيحوا في الأرض [ التوبة : ٢ ]، أي : فوقها لا بالمماسة والتحيز، بل بالقهر والتدبير، والأخبار في هذا صحيحة كثيرة، منتشرة مشيرة إلى العلوّ، لا يدفعها إلا ملحد أو جاهل أو معاند، والمراد بها توقيره وتنزيهه عن السفل والتحت، ووصفه بالعلوّ والعظمة، لا بالأماكن والجهات والحدود، لأنها صفات الأجسام، وإنما ترفع الأيدي بالدعاء إلى السماء، لأن السماء مهبط الوحي، ومنزل القطر، ومحل القدس، ومعدن المطهرين من الملائكة، وإليها ترفع أعمال العباد، وفوقها عرشه وجنته، كما جعل الله تعالى الكعبة قبلة للصلاة، ولأنه تعالى خلق الأمكنة وهو غير متحيز، وكان في أزله قبل خلق المكان والزمان، ولا مكان له ولا زمان، وهو الآن على ما عليه كان.
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني