ﭪﭫ

الْمَسَاكِينُ، فَرَأَوْهَا مُسَوَّدَةً وَقَدْ طَافَ عَلَيْهَا مِنَ اللَّيْلِ طَائِفٌ مِنَ الْعَذَابِ فَأَحْرَقَهَا فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِذْ أَقْسَمُوا، حلفوا، لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ. [ليجذنّها و] [١] ليقطعن ثَمَرَهَا إِذَا أَصْبَحُوا قَبْلَ أَنْ يعلم المساكين، وَلا يَسْتَثْنُونَ (١٨)، لا يَقُولُونَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ، عَذَابٌ، مِنْ رَبِّكَ، لَيْلًا وَلَا يَكُونُ الطَّائِفُ إِلَّا بِاللَّيْلِ وَكَانَ ذَلِكَ الطَّائِفُ نَارًا نَزَلَتْ مِنَ السَّمَاءِ فَأَحْرَقَتْهَا، وَهُمْ نائِمُونَ.
فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠)، كَاللَّيْلِ الْمُظْلِمِ الأسود. وقال الْحَسَنُ: أَيْ صَرَمَ مِنْهَا الْخَيْرَ فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ. وَقَالَ الْأَخْفَشُ كَالصُّبْحِ الصَّرِيمِ مِنَ اللَّيْلِ وَأَصْلُ الصَّرِيمِ الْمَصْرُومُ، مِثْلَ قَتِيلٍ وَمَقْتُولٍ وَكُلُّ شَيْءٍ قُطِعَ فَهُوَ صَرِيمٌ فَاللَّيْلُ صَرِيمٌ وَالصُّبْحُ صَرِيمٌ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَنْصَرِمُ عَنْ صَاحِبِهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَالرَّمَادِ الأسود بلغة خزيمة.
[سورة القلم (٦٨) : الآيات ٢١ الى ٣١]
فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١) أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ (٢٢) فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ (٢٣) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤) وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ (٢٥)
فَلَمَّا رَأَوْها قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧) قالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ (٢٨) قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٢٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ (٣٠)
قالُوا يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا طاغِينَ (٣١)
فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ (٢١)، نَادَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا لَمَّا أَصْبَحُوا.
أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ يَعْنِي الثِّمَارَ وَالزُّرُوعَ وَالْأَعْنَابَ، إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ، قَاطِعِينَ لِلنَّخْلِ.
فَانْطَلَقُوا، مَشَوْا إِلَيْهَا، وَهُمْ يَتَخافَتُونَ، يَتَسَارُّونَ يَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ سِرًّا.
أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤) وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ، الْحَرْدُ فِي اللُّغَةِ يَكُونُ بِمَعْنَى الْقَصْدِ وَالْمَنْعِ وَالْغَضَبِ، قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَأَبُو الْعَالِيَةِ: عَلَى جِدٍّ وَجَهْدٍ. وَقَالَ الْقُرَظِيُّ وَمُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ: عَلَى أَمْرٍ مجتمع قَدْ أَسَّسُوهُ بَيْنَهُمْ، وَهَذَا عَلَى مَعْنَى الْقَصْدِ لِأَنَّ الْقَاصِدَ إِلَى الشَّيْءِ جَادٌّ مُجْمِعٌ عَلَى الْأَمْرِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَالْقُتَيْبيُّ: غَدَوْا من بيتهم عَلَى مَنْعِ الْمَسَاكِينِ، يُقَالُ: حَارَدَتِ السَّنَةُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا مَطَرٌ، وَحَارَدَتِ النَّاقَةُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا لَبَنٌ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَسُفْيَانُ: عَلَى حَنَقٍ وَغَضَبٍ مِنَ المساكين. وعن ابن عباس: عَلَى قُدْرَةٍ، قادِرِينَ، عِنْدَ أَنْفُسِهِمْ عَلَى جَنَّتِهِمْ وَثِمَارِهَا لَا يَحُولُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُمْ أَحَدٌ.
فَلَمَّا رَأَوْها قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (٢٦)، أَيْ لَمَّا رَأَوْا الْجَنَّةَ مُحْتَرِقَةً قَالُوا: إِنَّا لَمُخْطِئُونَ الطَّرِيقَ أَضْلَلْنَا مَكَانَ جَنَّتِنَا لَيْسَتْ هَذِهِ بِجَنَّتِنَا.
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٢٧)، حُرِمْنَا خَيْرَهَا ونفعها لمنعنا الْمَسَاكِينَ وَتَرْكِنَا الِاسْتِثْنَاءَ.
قالَ أَوْسَطُهُمْ، أَعْدَلُهُمْ وَأَعْقَلُهُمْ وَأَفْضَلُهُمْ، أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ، هَلَّا تُسْتَثْنُونَ، أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ تَرْكَ الِاسْتِثْنَاءِ فِي قَوْلِهِمْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ، وَسَمَّى الِاسْتِثْنَاءَ تَسْبِيحًا لِأَنَّهُ تَعْظِيمٌ لِلَّهِ وَإِقْرَارٌ بِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى شَيْءٍ إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ. وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ: كَانَ اسْتِثْنَاؤُهُمْ سُبْحَانَ اللَّهِ، وَقِيلَ: هَلَّا تسبحون الله وتقولوا سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَشْكُرُونَهُ عَلَى مَا أَعْطَاكُمْ. وَقِيلَ: هَلَّا تَسْتَغْفِرُونَهُ مِنْ فعلكم.
قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا، نَزَّهُوهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ ظَالِمًا فِيمَا فَعَلَ وَأَقَرُّوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالظُّلْمِ فَقَالُوا: إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ، بِمَنْعِنَا الْمَسَاكِينَ.

(١) سقط من المطبوع.

صفحة رقم 138

معالم التنزيل

عرض الكتاب
المؤلف

محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي

تحقيق

عبد الرزاق المهدي

الناشر دار إحياء التراث العربي -بيروت
سنة النشر 1420
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 5
التصنيف كتب التفسير
اللغة العربية