ﭪﭫ

بالنهار لخرابها وخلوها من الثمار والأشجار، وهذا على المقابلة، وذلك أن العامر لما سمي سوادًا سمي الخراب بياضًا لا على معنى اللون (١) ولكن على معنى المضادة (٢).
٢١ - قوله تعالى: فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ قال مقاتل: لما أصبحوا قال بعضهم لبعض: اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ قال يعني بالحرث الثمار والزرع والأعناب (٣)، ولذلك قال: (صارمين)؛ لأنهم أرادوا قطع ثمار النخيل والأعناب.
وقال أبو إسحاق: إن كنتم عازمين (٤) على صرم (٥) النخل.
وقال الكلبي: على حرثكم. يعني: ما كان في جنتهم من شجر وزرع (٦) إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ يعني (٧): جاذين للنخل والحصاد، ولم يرد الجمع بين النخل والزرع في الحصاد؛ لأن الحصاد والقطاف لا يجتمعان في وقت واحد، ولكنهم غدوا إلى جنتهم لحصاد الزرع وللمقام بها إلى آخر القطاف.
و (أن) في قوله: أَنِ اغْدُوا بمعنى أي، كما قال تعالى ذكره: {أَنِ

(١) (ك): (الليل).
(٢) لم أجد هذا القول، وغيره من أقوال المبرد نقلها المؤلف، وليست في مؤلفاته المعروفة، ولعلها -والله أعلم- نقلت من كتابه "إعراب القرآن" وهو كتاب مفقود.
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" ١٦٣/ ب، و"التفسير الكبير" ٣٠/ ٨٨، و"غرائب القرآن" ٢٩/ ١٩.
(٤) (ك)، (س): (عازمين) ساقطة.
(٥) (ك)، (س): (الصرام) وانظر: "معاني القرآن" ٥/ ٢٠٨.
(٦) انظر: "جامع البيان" ٢٩/ ٢٠، و"زاد المسير" ٨/ ٣٣٦، ولم ينسب لقائل.
(٧) (س): (قال يعني).

صفحة رقم 100

امْشُواْ، وقد مر (١).
قوله تعالى: فَاَنطَلَقُواْ أي ذهبوا إلى جنتهم وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ يسرون الكلام بينهم بـ أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤)، ومضى تفسير التخافت عند قوله: وَلَا تُخَافِتْ بِهَا (٢) قال ابن عباس: غدوا إليها بسدفة يسر بعضهم إلى بعض الكلام لئلا يعلم أحد من الفقراء والمساكين (٣).
وقال قتادة: كانت الجنة لشيخ، وكان يتصدق، وكان يمسك قوته ويتصدق بالفضل، وكان بنوه ينهونه عن الصدقة، فلما مات غدوا عليها وقالوا: لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين (٤)، وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ.
وقال أبو إسحاق: لما كان الوقت الذي اعتدوا فيه في أول الصبح بسدفة غدوا إلى جنتهم ليصرموها (٥). وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ واختلفوا في تفسير الحرد. والحرد (٦) في اللغة يكون على معان. الحرد: المنع، من قولهم: حاردت السنة إذا قل مطرها ومنعت ريعها. وحاردت الناقة إذا منعت لبنها وقيل اللبن (٧). ومنه قول الأعشى:

(١) عند تفسيره الآية (٦) من سورة ص.
(٢) عند تفسيره الآية (١١٠) من سورة الإسراء. قال: المخافتة: الإخفاء، يقال: خفت صوته يخفت وخفاتًا إذا ضعف وسكن. وصوت خفيت أي خفيض. ومن هذا يقال للرجل إذا مات: قد خفت، أي: انقطع كلامه؛ وخفت الزرع إذا ذبل ولان.
(٣) انظر: "التفسير الكبير" ٣٠/ ٨٩.
(٤) انظر: "جامع البيان" ٢٩/ ١٩، و"الدر" ٦/ ٢٥٣.
(٥) انظر: "معاني القرآن" ٥/ ٢٠٧.
(٦) (س): (والحرد) زيادة.
(٧) انظر: "تهذيب اللغة" ٤/ ٤١٥، و"اللسان" ١/ ٦٠٢ (حرد).

صفحة رقم 101

فإذا ما بكؤت أو حاردتْ فك عن حاجب أخرى طينها (١)
والحرد: القصد؛ ومنه قول الهذلي (٢):
أقبل سيلٌ كان من (٣) أمرِ الله يحرِد حَرْد الجنَّة المُغَلَّهْ
وأنشد أبو عبيدة (٤):
أما إذا أحردت حردي فمجرية ضبطاء تمنع غيلًا غير مقروب
والحرد: الغضب. وهما لغتان الحَرْدُ (٥)، والحَرَدُ؛ والتحريك أكثر. وأنشد أبو عبيدة (٦):
أسود شرًى لاقت أسود خفية تساقوا (٧) على حرد وماء الأساود
(١) انظر: "ديوان الأعشى" (١٥١)، و"اللسان" ١/ ٦٠٢ (حرد)، وفي ألفاظه اختلاف وتقديم وتأخير. والشاعر يصف باطنة -وهي إناء عظيمة- إذا قل ما فيها من لبن أو شرب أو انقطع فتحت أخرى.
(٢) انظر: "مجاز القرآن" ٢/ ٢٦٦، و"الخزانة" ١٠/ ٣٥٦، ونسبه لقرب بن المستفيد، و"شواهد الكشاف" (٢٥٤)، وود أيضًا في "زيادات ديوان حسان" (٥٢٢)، و"إصلاح المنطق" (٤٧).
(٣) (س): (في).
(٤) البيت لمنقد الأسدي الملقب بالجميح، وهو تشبيه للمرأة باللبؤة الضبطاء نزقًا وخفة والذي أنشده هو ابن قتيبة وليس بأبي عبيدة انظر: "مجاز القرآن" ٢/ ٢٦٥، و"تفسير غريب القرآن" (٤٨٠)، و"تهذيب اللغة" ١١/ ٤٩٣ (ضبط).
(٥) (ك): (والحرد).
(٦) (س): (أبو عبيدة) زيادة. والبيت للأشهب بن رُميلة كما في "اللسان" ١/ ٦٠٢، و"جامع البيان" ٢٩/ ٢١، و"تفسير غريب القرآن" (٤٨٠)، و"الخزانة" ٦/ ٢٧، والشَّرى موضع تُنسب إليه الأسد. يقال للشجعان: ما هم إلا أسود الشرى. وقيل: هو شرى الفرات وناحيته وبه غياض وآجام ومأسدةٌ. "اللسان" ٢/ ٣١٠ (شري).
(٧) (ك)، (س): (تساء).

صفحة رقم 102

هذا الذي ذكرنا هو قول جميع أهل اللغة في تفسير الحرد (١). وأقوال المفسرين غير خارجة عن هذه المعاني. قال قتادة: على جد من أمرهم (٢).
وقال مقاتل: جد في أنفسهم (٣).
وقال الكلبي: غدوا جادين. وهو قول أبي العالية والحسن ومجاهد (٤) في رواية أبي بشر. وهذا من معنى القصد، وذلك أن المقاصد إلى الشيء جاد بخلاف من لا يكون له قصد في أمر، على أن الليث قد قال في كتابه: على جد من أمرهم. فقال الأزهري: الصواب على حد. أي على منع، كما قال الفراء. ثم ذكر بإسناده عن الفراء بالحاء (٥).
ويدل على صحة معنى هذا القول أن أبا عبيدة والمبرد والقتيبي (٦) قالوا في معنى الحرد هاهنا: إنه المنع (٧). أي: غدوا من بيتهم إلى جنتهم على منع المساكين ما كانوا يعطونه.
وقال مجاهد وعكرمة: على أمر أسسوه بينهم (٨). وهذا من معنى القصد أيضًا.

(١) انظر: "مجاز القرآن" ٢/ ٢٦٥، و"معاني القرآن" للفراء ٣/ ١٧٦، و"معاني القرآن" للزجاج ٥/ ٢٠٧.
(٢) انظر: "تفسير عبد الرزاق" ٢/ ٣٠٩، و"جامع البيان" ٢٩/ ٢٠.
(٣) انظر: "تفسير مقاتل" ١٦٣/ ب، و"زاد المسير" ٨/ ٣٣٦.
(٤) انظر: "جامع البيان" ٢٩/ ٢٠، و"الكشف والبيان" ١٢/ ١٦٨/ أ، و"معالم التنزيل" ٤/ ٣٨٠.
(٥) انظر: "تهذيب اللغة" ٤/ ٤١٤، و"اللسان" ١/ ٦٠٤ (حرد).
(٦) (س): (والقتيبي) زيادة.
(٧) انظر: "مجاز القرآن" ٢/ ٢٦٥، و"تفسير غريب القرآن" (٤٧٩)، و"فتح القدير" ٥/ ٢٧٢.
(٨) انظر: "معالم التنزيل" ٤/ ٣٨٠ و"زاد المسير" ٨/ ٣٣٦.

صفحة رقم 103

وقال الشعبي: على حرد على المساكين، وهو قول (١) سفيان (٢)؛ قال (٣): على حنق وغضب.
وروى (٤) معمر عن (٥) الحسن: على فاقة (٦)؛ ومعناه من القلة، من قولهم: حاردت الناقة، والمعنى أنهم غدوا على قلة مالهم عند أنفسهم فقالوا: المال قليل لا يسع المساكين. وقال السدي: الحرد اسم الجنة. وذكر الأزهري هذا القول فقال (٧): وقيل في بعض (٨) التفسير: إن حرد كانت قريتهم (٩).
قوله تعالى: قَادرِينَ قال ابن عباس: يريد قادرين على جنتهم في أنفسهم (١٠)؛ وهو قول مقاتل وجميع المفسرين (١١).

(١) (س): (وقال الشعبي: على حرد على المساكين وهو قول) زيادة.
(٢) (ك): (وقال سفيان).
(٣) (س): (وقال) انظر: "جامع البيان" ٢٩/ ٢١، و"الكشف والبيان" ١٢/ ١٦٨/ أ، و"معالم التنزيل" ٤/ ٣٨٠.
(٤) (ك): (وقال).
(٥) (س): (معمر عن) زيادة.
(٦) انظر: "تفسير عبد الرزاق" ٢/ ٣٠٩، و"جامع البيان" ٢٩/ ٢١.
(٧) (س): (وذكر الأزهري هذا القول فقال) زيادة.
(٨) (س): (بعض) زيادة.
(٩) انظر: "تهذيب اللغة" ٤/ ٤١٤ (حرد).
قال ابن كثير: وقال السدي: عَلَى حَرْدٍ أي كان اسم قريتهم حرد. فأبعد السدي في قوله هذا. "تفسير القرآن العظيم" ٤/ ٤٠٦، وقال الآلوسي -عن تفسير السدي هذا-: ولا أظن ذلك مرادًا) "روح المعاني" ٢٩/ ٣١.
(١٠) انظر: "الكشف والبيان" ١٢/ ١٦٨/ أ، و"الجامع لأحكام القرآن" ١٨/ ٢٤٢.
(١١) (س): (وهو قول مقاتل وجميع المفسرين) زيادة، وقال النحاس: أصح ما قيل =

صفحة رقم 104

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية