سَخَّرَها عليهم أي : سلَّطها عليهم، وهو استئناف جيء به لبيان كيفية إهلاكهم بها، سَبْعَ ليالٍ وثمانيةَ أيام حُسوماً أي : متتابعات، جمع حاسم، كشهود وشاهد، تمثيلاً لتتابعها بتتابع فعل الحاسم في إعادة الكيّ كرة بعد أخرى حتى ينحسم الداء، أو : محسمات، حسمت كل خير واستأصلته، أو قاطعات قطعت دابرهم، وهو حال، ويجوز أن يكون مصدراً، أي : تحسمه حسوماً، أي : تستأصلهم استئصالاْ، ويؤيده قراءة الفتح، وكانت العرب تُسمي هذه الأيام أيام العجوز، من صبيحة الأربعاء إلى غروب الأربعاء الآخر، وإنما سميت بذلك ؛ لأنّ عجوزاً من عاد توارت في سِرب، فانتزعَتها الريحُ في اليوم الثامن، فأهلكتها. وقيل : سميت عجوزاً لأنها في عَجُز الشتاء، أي : آخره. وأسماؤها : الصِنُّ، والصنْبَرِ، والوَبْر، والآمر، والمُؤْتمر والمُعلِّل، ومُطْفئ الجمْر، واليوم الثامن مكفي الظُّعن.
فترى القومَ إن كنت حاضراً حينئذ فيها أي : في تلك الليالي والأيام، أو في مهابَّها، أو في ديارهم صَرْعَى ؛ موتى هلكى، جمع صريع، كأنهم أعجازُ نخلٍ أي : أصول نخل، جمع نخلة، خاويةٍ . ساقطة، أو بالية متآكلة الأجواف، وكانت أجسامهم طوالاً، تبلغ مائة ذراعٍ، أو مائتين، ولذلك شُبّهوا بالنخل،
ثم ذكر أنَّ مَن أنكرها أو كذّب بوجودها من النفوس العادية، والقلوب القاسية، يهلك في مهاوي الفروقات، برجفة الوساوس والخواطر، أو رياح الفتن الباطنة والظاهرة، سخّرها عليهم سبع ليالٍ على عدد الجوارح السبعة، وثمانية أيام. قال القشيري : أي : أيام كاشفات لسبع صفات الطبيعية، وهي : الغضب، والشهوة، والحقد، والحسد، والبُخل، والجُبن، والعجب، والشره، حُسوماً، أي : تحسم، وتقطع أمور الحق وأحكامه من الخيرات والمبرّات. هـ. وإيَّاكَ جَزعاً لا يَهُولُكَ أمْرُها فَمَا نَالَها إلاَّ الشُّجَاعُ المُقَارعُ
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي