وقال مقاتل (١): لم تبق منهم أحدًا (٢). (وذكر الفراء القولين (٣) (٤)).
٨ - قوله تعالى: وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ أي ومن كان قبله من الأمم الكافرة التي كفرت كما كفر هو (٥).
و"من" لفظه عَام، ومعناه خاص في الكفار دون المؤمنين (٦). وقُرئ: وَمَنْ قَبْلَهُ بكسر (٧) القاف وفتح الباء (٨).
قال سيبويه: (قِبَل) لِما وَلِيَ الشيءَ، تقول: "ذهب قِبَلَ السوق" و"لي قِبَلَك حق" أي فيما يَلِيك، واتَّسَع حتى صَار بمنزلة: "لي عليك" (٩).
ومعنى: وَمَنْ قَبْلَهُ أي من يتبعه، وَيحُفُّ به من جنوده وأتباعه،
(٢) في كلا النسختين (أحد)، والصواب (أحدًا) لأنها مفعول به.
(٣) "معاني القرآن وإعرابه" ٣/ ١٨٠.
(٤) ما بين القوسين ساقط من (أ).
(٥) بياض في (ع).
(٦) هذا القول حجة لمن قرأ قَبْلَه بفتح القاف وسكون الباء، وهي قراءة ابن كثير، ونافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، وخلف، وأبو جعفر. انظر: "كتاب السبعة في القراءات" لابن مجاهد ٦٤٨، و"القراءات وعلل النحويين فيها" للأزهري ٢/ ٧٠٩، و"الحجة للقراء السبعة" لأبي علي ٦/ ٣١٤، و"إعراب القراءات" لابن خالويه ٢/ ٣٨٥، و"المبسوط في القراءات العشر" للأصبهاني ٣٧٩، و"التبصرة" لمكي ٨٠٦، و"الكشف عن وجوه القراءات" لمكي بن أبي طالب ٢/ ٣٣٣.
(٧) في (أ): انكسر.
(٨) وممن قرأ بذلك أبو عمرو، والكسائي، ويعقوب، وأبان عن عاصم. انظر المراجع السابقة.
(٩) "كتاب سيبويه"، لأبي بشر عَمْرو بن قنبر ٤/ ٢٣٢، نقله عنه أبو علي الفارسي بتصرف يسير. انظر: "الحجة" ٦/ ٣١٤.
ويؤكد هذه القراءة مَا روي أن في حرف أُبَيٍّ: "ومَن معه". (١) وأكثر قول المفسرين على هذه القراءة (٢).
قال ابن عباس: يريد جمعه وجنوده (٣).
وقال الكلبي: يعني جنده (٤) (٥).
وقال مقاتل: يعني ومن معه (٦).
وقوله: وَالْمُؤْتَفِكَاتُ قد تقدم تفسيرها (٧)، وهي -هَاهنا- يجوز أن تكون القُرى التي انقلبت بأهلها، فيكون على حذف المضاف.
| (١) من قوله أى ومن كان قبله من الأمم | إلى هنا من "الحجة" ٦/ ٣١٤ بتصرف. |
(٣) في (ع): وجنده. لم أعثر على مصدر لقوله.
(٤) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٥) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٦) "تفسير مقاتل" ٢٠٦/ ب.
(٧) في سورة التوبة ٧٠ في قوله تعالى: أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٧٠) ومما جاء في تفسير قوله تعالى: وَالْمُؤْتَفِكَاتُ، قال المفسرون: يعني قريات قوم لوط، وهي جمع مؤتفكة، ومعنى الائتفاك في اللغة الانقلاب، وتلك القرى ائتفكت بأهلها، أي انقلبت فصار أعلاها أسفلها، والمؤتفكات معطوفة على مدين، يعني وأصحاب المؤتفكات. ويقال: أفكه فائتفك، أي: قلبه فانقلب.
قال مقاتل: يعني قرى (قوم) (١) لوط (٢).
ويجوز أن تكون المؤتفكات الذين أهلكوا من قوم لوط؛ على معنى: والجماعات والأمم والفرق المؤتفكات (٣).
قال ابن عباس: يريد قوم لوط (٤).
قال الفراء: (هم الذين ائتفكوا بخطئهم) (٥). ونحو هذا قال أبو إسحاق (٦). فجعلوا المؤتفكات القوم الذين أهلكُوا.
وقوله: بِالْخَاطِئَةِ قال عطاء: يريد الخطايا التي كانوا يفعلونها (٧).
(٢) "تفسير مقاتل" ٢٠٦/ ب. وقد ورد عن قتادة بمثل قوله في "جامع البيان" ٢٩/ ٥٣، كما ورد القول من غير نسبة في "معالم التنزيل" ٤/ ٣٨٦، و"المحرر الوجيز" ٥/ ٣٥٨، و"زاد المسير" ٨/ ٨٠.
(٣) ومعنى لفظ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ كما جاء عند ابن فارس، قال:
| الهمزة والفاء والكاف أصل واحد يدل على قلب الشيء وصَرْفه عن جهته | والمؤتفكات الرياح التي تختلف مَهابُّها. "معجم مقاييس اللغة" ١/ ١١٨، مادة (أفك). |
(٤) لم أعثر على مصدر لقوله.
(٥) "معاني القرآن" ٣/ ١٨٠ بنصه.
(٦) "معاني القرآن وإعرابه" ٥/ ٢١٥. وعبارته "الذين ائتفكوا بذنوبهم، أي أهلكوا بذنوبهم التي أعظمها الإفك.. ثم قال: وكذلك الذين ائتفكت بهم الأرض، أي خُسِفَ بهم، إنما معناه انقلبت بهم كما يقلب بهم الكذاب الحق إلى الباطل.
(٧) لم أعثر على مصدر لقوله. وقد ورد عند الطبري، والقرطبي بمثل قول مجاهد. انظر: "جامع البيان" ٢٩/ ٥٣، و"الجامع لأحكام القرآن" ١٨/ ٣٦٢.
وقال الكلبي: يعني بالشرك (١).
وقال مقاتل: يعني بالكفر (٢).
قال الزجاج: (بالخطأ العظيم) (٣). وهو قول الفراء (٤)، والكسائي (٥). فالخاطئة: مصدر كالخطأ والخطيئة، وهي الكفر والتكذيب. يدل عليه قوله: فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ. قال الكلبي: يعني موسى بن عمران (٦).
وقال مقاتل: يعني لوطًا (٧).
فذهب الكلبي بقوله: عَصَوْا إلى فرعون وقومه، وذهب مقاتل إلى المؤتفكات، والوجه أن يقال: المراد بـ"الرسول" كلاهما للخبر عن
(٢) لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثله عند الثعلبي من غير عزو. انظر: "الكشف والبيان" جـ١٢، ١٧٦/ أ.
(٣) "معاني القرآن وإعرابه" ٥/ ٢١٥ بنصه.
(٤) لم أجد قوله في المعاني، وإنما وجدت معناه في التهذيب، والعبارة عنده قال الفراء يُصْرف عن الإيمان من صُرِف، كما قال: أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا [الأحقاف: ٣٢]، يقول: لتصرفنا وتصدنا. "تهذيب اللغة" ١٠/ ٣٩٥ مادة (أفك)، وانظر: "لسان العرب" ١/ ٣٩١ مادة (أفك).
(٥) ورد معنى قوله في المرجعين السابقين، والعبارة عنه أبو عبيد عن الكسائي تقول العرب يالِلأفيكة، ويا لَلأفيكة، بكسر اللام وفتحها، فمن فتح اللام فهي لامُ الاستغاثة، ومن كسرها فهي تعجب، كأنه قال: يا أيها الرجل، اعجب لهذه الأفيكة، وهي الكِذبة العظيمة.
(٦) ورد قوله في "المحرر الوجيز" ٥/ ٣٥٨، و"الجامع لأحكام القرآن" ١٨/ ٣٦٢.
(٧) ورد القول في "تفسير مقاتل" ٢٠٦/ ب، وفي "معالم التنزيل" ٤/ ٣٨٦ من غير عزو، وعزاه ابن عطية إلى بعضهم في "المحرر الوجيز" ٥/ ٣٥٨.
الأمتين بعد ذكرهما بقوله: فَعَصَوْا (١)، فيكون كقوله: إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢).
قوله تعالى: فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً قال المفسرون: نامية، عالية، (غالبة) (٣)، شديدة، زائدة على عذاب الأمم، كل هذا من ألفاظهم (٤) (٥).
(٢) سورة الشعراء ١٦. والآية بتمامها، قال تعالى: فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦)، وقد نقل الفخر عن الواحدي قوله. انظر: "التفسير الكبير" ٣٠/ ١٠٦. قال ابن عاشور: وضمير عَصَواْ يجوز أن يرجع إلى "فرعون" باعتباره رأس قومه، فالضمير عائد إليه وإلى قومه، ويكون المراد بـ رَسُولَ رَبِّهِمْ موسى عليه السلام، وتعريفه بالإضافة لما في لفظ المضاف إليه من الإشارة إلى تخطئتهم في عبادة فرعون. ويجوز أن يرجع ضمير عَصَوْا إلى فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ، و رَسُولَ رَبِّهِمْ هو الرسول المرسل إلى كل قوم من هؤلاء، فإفراد "رسول" مراد به التوزيع على الجماعات، أي رسول الله لكل جماعة منهم، والقرينة ظاهرة، وهو أجمل نظمًا من أن يقال: فعصوا رسل ربهم، لما في إفراد "رسول" من التفنن في صيغ الكلم من جمع وإفراد؛ تفاديًا من تتابع ثلاثة جموع؛ لأن صيغ الجمع لا تخلو من ثقل لقلة استعمالها. "تفسير التحرير والتنوير" ٢٩/ ١٢١ - ١٢٢.
(٣) غالبة ساقطة من (أ).
(٤) بياض في (ع).
(٥) قال ابن زيد: شديدة. وقال ابن عباس: أخذة شديدة.
وقال ابن زيد، كما يكون في الخير رابية، كذلك يكون في الشر رابية، قال: ربا عليهم، زاد عليهم. انظر: "جامع البيان" ٢٩/ ٥٣.
وقال الفراء: أخذة زائدة."معاني القرآن" ٣/ ١٨١.
وقال أبو عبيدة: نامية زائدة شديدة من الربا. "مجاز القرآن" ٢/ ٢٦٧.
وقال اليزبدي: نامية زائدة من الربا. "غريب القرآن وتفسيره" ٣٨٧.
وقال ابن قتيبة: عالية مذكورة. "تفسير غريب القرآن" ٤٨٤.
وقال الثعلبي: نامية عالية غالبة. "الكشف والبيان" جـ١٢، ١٧٦/ أ.
وعن السدي قال: مهلكة. "النكت" ٦/ ٧٩.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي