قَالَ تَعَالَى: (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) (٢٦).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَرِيشًا) : هُوَ جَمْعُ رِيشَةٍ، وَيُقْرَأُ رِيَاشًا، وَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ جَمْعٌ، وَاحِدُهُ رِيشٌ، مِثْلُ رِيحٍ وَرِيَاحٍ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ اسْمٌ لِلْجَمْعِ مِثْلُ اللِّبَاسِ. (وَلِبَاسُ التَّقْوَى) : يُقْرَأُ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى رِيشًا، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَنْزِلُ اللِّبَاسُ وَالرِّيشُ، قِيلَ: لَمَّا كَانَ الرِّيشُ وَاللِّبَاسُ يَنْبُتَانِ بِالْمَطَرِ، وَالْمَطَرُ يَنْزِلُ، جُعِلَ مَا هُوَ الْمُسَبَّبُ بِمَنْزِلَةِ السَّبَبِ، وَيُقْرَأُ بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ. وَ (ذَلِكَ) : مُبْتَدَأٌ، وَ (خَيْرٌ) : خَبَرُهُ، وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ لِبَاسٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ نَعْتًا لِلِبَاسُ؛ أَيِ: الْمَذْكُورُ وَالْمُشَارُ إِلَيْهِ، وَأَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْهُ، أَوْ عَطْفَ بَيَانٍ، وَخَيْرٌ الْخَبَرُ. وَقِيلَ: لِبَاسُ التَّقْوَى خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: وَسَاتِرُ عَوْرَاتِكُمْ لِبَاسُ التَّقْوَى، أَوْ عَلَى الْعَكْسِ؛ أَيْ: وَلِبَاسُ التَّقْوَى سَاتِرُ عَوْرَاتِكُمْ، وَفِي الْكَلَامِ حَذْفُ
مُضَافٍ؛ أَيْ: وَلِبَاسُ أَهْلِ التَّقْوَى، وَقِيلَ الْمَعْنَى: وَلِبَاسُ الِاتِّقَاءِ الَّذِي يُتَّقَى بِهِ النَّظَرُ، فَلَا حَذْفَ إِذًا.
قَالَ تَعَالَى: (يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ) (٢٧).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (لَا يَفْتِنَنَّكُمُ) : النَّهْيُ فِي اللَّفْظِ لِلشَّيْطَانِ، وَالْمَعْنَى لَا تَتَّبِعُوا الشَّيْطَانَ فَيَفْتِنَكُمْ. (كَمَا أَخْرَجَ) : أَيْ فِتْنَةً كَفِتْنَةِ أَبَوَيْكُمْ بِالْإِخْرَاجِ. (يَنْزِعُ عَنْهُمَا) : الْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ إِنْ شِئْتَ مِنْ ضَمِيرِ الْفَاعِلِ فِي أَخْرَجَ، وَإِنْ شِئْتَ مِنَ الْأَبَوَيْنِ؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَمِيرَيْنِ لَهُمَا، وَيَنْزِعُ حِكَايَةُ أَمْرٍ قَدْ وَقَعَ؛ لِأَنَّ نَزْعَ اللِّبَاسِ عَنْهُمَا كَانَ قَبْلَ الْإِخْرَاجِ. فَإِنْ قِيلَ: الشَّيْطَانُ لَمْ يَنْزِعْ عَنْهُمَا اللِّبَاسَ، قِيلَ: لَكِنَّهُ تَسَبَّبَ فَنُسِبَ الْإِخْرَاجُ وَالنَّزْعُ إِلَيْهِ. (هُوَ وَقَبِيلُهُ) : هُوَ تَوْكِيدٌ لِضَمِيرِ الْفَاعِلِ لِيَحْسُنَ الْعَطْفُ عَلَيْهِ.
قَالَ تَعَالَى: (قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ) (٢٩) (فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ) (٣٠).
قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَأَقِيمُوا) : فِي تَقْدِيرِ الْكَلَامِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى مَوْضِعِ «الْقِسْطِ» عَلَى الْمَعْنَى؛ أَيْ: أَمَرَ رَبِّي فَقَالَ أَقْسِطُوا وَأَقِيمُوا. وَالثَّانِي: فِي الْكَلَامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَأَقْبِلُوا وَأَقِيمُوا. وَ (الدِّينَ) : مَنْصُوبٌ بِمُخْلِصِينَ، وَلَا يَجُوزُ هَنَا فَتْحُ اللَّامِ فِي «مُخْلِصِينَ» : لِأَنَّ ذِكْرَ الْمَفْعُولِ يَمْنَعُ مِنْ أَنْ لَا يُسَمَّى الْفَاعِلُ. (كَمَا) : الْكَافُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أَيْ: تَعُودُونَ عَوْدًا كَبَدْئِكُمْ. (فَرِيقًا هَدَى) : فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: هُوَ مَنْصُوبٌ بِهَدَى، «وَفَرِيقًا» الثَّانِي مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ:
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء محبّ الدين عبد الله بن الحسين بن عبد الله العكبريّ البغدادي