قوله تعالى : وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِم قَائِمُونَ .
قرئ بشهاداتهم بالجمع وقرئ بشهادتهم بالإفراد، فقيل : إن الإفراد يؤدي معنى الجمع للمصدر كما في قوله : إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ [ لقمان : ١٩ ].
فأفرد في الصوت مراداً به الأصوات.
وقيل : الإفراد لشهادة التوحيد مقيمون عليها. والجمع لتنوع الشهادات بحسب متعلقها، ولا تعارض بين الأمرين فما يشهد لذلك قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُواْ [ فصلت : ٣٠ ].
قال أبو بكر رضي الله عنه : أي داموا على ذلك حتى ماتوا عليه.
وبدل للثاني عمومات آية الشهادة المتنوعة في البيع والطلاق والكتابة في الدين وغير ذلك، والله تعالى أعلم.
وفي هذه الآية عدة مسائل :
المسألة الأولى : أطلق القيام بالشهادة هنا وبين أن قيامهم بها إنما هو لله في قوله تعالى : وَأَقِيمُواْ الشَّهَادَةَ لِلَّهِ [ الطلاق : ٢ ]، وقوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءِ للَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ [ النساء : ١٣٥ ].
المسألة الثانية : قوله بِشَهَادَاتِهِم قَائِمُونَ في معرض المدح، وإخراجهم من وصف إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً [ المعارج : ١٩ ] يدل بمفهومه أن غير القائمين بشهاداتهم غير خارجين من ذلك الوصف الذميم.
وقد دلت آيات صريحة على هذا المفهوم، منها قوله تعالى : وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ [ البقرة : ٢٨٣ ]، وقوله : وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّآ إِذَاً لَّمِنَ الآثِمِينَ [ المائدة : ١٠٦ ].
وكذلك في معرض المدح في وصف عباد الرحمن في قوله : وَالَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ [ الفرقان : ٧٢ ].
وفي الحديث من عظم جرم شهادة الزور، وكان صلى الله عليه وسلم متكئاً فجلس، فقال : " ألا وشهادة الزور، ألا وشهادة الزور، فما زال يكررها حتى قلنا : ليته سكت " ".
تنبيه
قوله : وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِم قَائِمُونَ يفيد القيام بالشهادة مطلقاً، وجاء قوله : وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ فقيد القيام بالشهادة بالدعوة إليها.
وفي الحديث : " خير الشهود من يأتي بالشهادة قبل أن يسألها ".
وفي حديث آخر في ذم المبادرة بها، ويشهدون قبل أن يستشهدوا. وقد جمع العلماء بين الحديثين بأن الأول في حالة عدم معرفة المشهود له بما عنده من شهادة، أو يتوقف على شهادته حق شرعي كرضاع وطلاق ونحوه، والثاني بعكس ذلك.
وقد نص ابن فرحون أن الشهادة في حق الله على قسمين، قسم تستديم فيه الحرمة كالنكاح والطلاق، فلا يتركها، وتركها جرحة في عدالته، وقسم لا تستديم فيه الحرمة كالزنى والشرب، فإن تركها أفضل ما لم يدع لأدائها. لحديث هزَّال في قصة ماعز حيث قال له : " هلا سترته بردائك ".
المسألة الثالثة : مواطن الشهادة الواردة في القرآن، والتي يجب القيام فيها، نسوقها على سبيل الإجمال.
الأول : الإشهاد في البيع في قوله تعالى : وَأَشْهِدُواْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ [ البقرة : ٢٨٢ ].
الثاني : الطلاق، والرجعة لقوله تعالى : فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُواْ ذَوَي عَدْلٍ مِّنكُمْ [ الطلاق : ٢ ].
الثالث : كتابة الدَّين لقوله تعالى : فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ [ البقرة : ٢٨٢ ] الآية.
الرابع : الوصية عند الموت لقوله تعالى : يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ [ المائدة : ١٠٦ ] الآية.
الخامس : دفع مال اليتيم إليه إذا رشد، لقوله تعالى : فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ [ النساء : ٦ ].
السادس : إقامة الحدود لقوله تعالى : وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ [ النور : ٢ ].
السابع : في السنة عقد النكاح لقوله صلى الله عليه وسلم : " لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل "، وهذه كلها مواطن هامة تتعلق بحقّ الله وحق العباد من حفظ للمال والعرض والنسب، وفي حق الحي والميت واليتيم والكبير، فهي في شتى مصالح الأمة استوجبت الحث على القيام بها وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِم قَائِمُونَ والتحذير من كتمانها وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ [ البقرة : ٢٨٣ ].
وقوله : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ [ البقرة : ١٤٠ ].
وقوله : وَلاَ يَأْبَ الشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ [ البقرة : ٢٨٢ ].
المسألة الرابعة : قوله تعالى : وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِم قَائِمُونَ [ المعارج : ٣٣ ] كلها صيغ الجمع، والشهادة قد تكون من فرد، وقد تكون من اثنين، وقد تكون من ثلاثة، وقد تكون من أربعة، وقد تكون من جماعة.
وجملة ذلك أن الشهادة في الجملة من حث الشاهد تكون على النحو الآتي : إجمالاً رجل واحد، ورجل يمين، ورجل وامرأتان، ورجلان، وثلاثة رجال، وأربعة، وطائفة من المؤمنين، وامرأة، وامرأتان، وجماعة الصبيان.
وقد جاءت النصوص بذلك صريحة. أما الواحد، فقال تعالى : وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَآ إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ [ يوسف : ٢٦ ].
فهو، وإن كان ملفت النظر إلى القرنية في شق القميص، إلا أنه شاهد واحد.
وجاء في السنة : شهادة خزيمة رضي الله عنه، لما شهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم بشراء الفرس من الأعرابي، وجعلها صلى الله عليه وسلم بشهادة رجلين.
وجاءت السنة بثبوت شهادة الطبيب والقائف والخارص ونحوهم.
وجاء في ثبوت رمضان، فقد قبل صلى الله عليه وسلم شهادة أعرابي، وقبل شهادة عبد الله بن عمر سواء كان قبولها اكتفاء بها أو احتياطاً لرمضان.
وأما شهادة الرجل الواحد ويمين المدعي، فلحديث ابن عباس " قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشاهد واليمين " وتكلم عليه ابن عبد البر، وأطال في تصحيحه وتوجيهه.
وعند مالك ومذهب لأحمد شهادة امرأتين، ويمين المدعي، وخالفهما الجمهور.
وأما شهادة رجل وامرأتين، فلقوله تعالى : فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ [ البقرة : ٢٨٢ ].
وبين تعالى توجيه ذلك بقوله : أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى [ البقرة : ٢٨٢ ].
وبهذا النص رد الجمهور مذهب مالك، والمذهب المحكي عن أحمد لأنه لم ينقل إلا أربع نسوة ولم تستقل النسوية بالشهادة.
وأما شهادة الرجلين فلقوله تعالى : وَاسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ [ البقرة : ٢٨٢ ].
وأما ثلاثة رجال، فلقوله صلى الله عليه وسلم في إثبات الفاقة والإعسار. " حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه، فيقولون، لقد أصابت فلانة فاقة ". الحديث، وهو حديث قبيصة عند مسلم وأحمد.
وأما الأربعة ففي إثبات الزنا خاصة، وقد بين الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه ذلك في أول سورة النور.
وأما الطائفة ففي إقامة الحدود لقوله تعالى : وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ [ النور : ٢ ].
وأما شهادة المرأة ففي أحوال النساء خاصة، كما في حديث عقبة بن الحارث : " جاءت امرأة إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فقالت : إني أرضعتهما، فقال له صلى الله عليه وسلم فارقها، فقال : كيف أفارقها لقول امرأة ؟ فقال له : كيف وقد قيل ؟ " وقد وقع الخلاف في قبول شهادتها وحدها ولكن الصحيح ما قدمنا.
وأما المرأتان فعند من لم يقبل شهادة المرأة، وقيل عند استهلال الصبي، لأن الغالب حضور أكثر من واحدة.
وأما جماعة الصبيان ففي جناياتهم على بعض، وقبل أن يتفرقوا ولم يدخل فيهم كبير. وفيه خلاف.
ورجح الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه العمل بها في مذكرة أصول الفقه، في مبحث رواية الصغار.
المسألة الخامسة : اتفقوا أنه لا دخل للنساء في الشهادة في الحدود، وإنما تكون في المال أو ما يؤول إلى المال، وفيما يتعلق بما تحت الثياب من النساء.
وفي الشهادة مباحث عديدة مبسوطة في كتب الفقه وكتب القضاء، كتبصرة الحكام لابن فرحون وغيره.
وقد بسط ابن القيم الكلام عليها في الطرق الحكمية وابن فرحون في تبصرة الحكام لمن أحب الرجوع إليه، ولكن مما لا بد منه هو شروط الشاهد المعتبرة، وكلها تدور على ما تحصل به الطمأنينة إلى الحق المشهود به لأمرين أساسيين هما الضبط، كما في قوله تعالى في حق النسوة أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى [ البقرة : ٢٨٢ ].
والثاني العدالة والصدق، كما في قوله تعالى : إِن جَآءَكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُواْ [ الحجرات : ٦ ].
وهنا مبحث مشهور، وهو : هل الأصل في المسلمين العدالة حتى تظهر جرحه أم العكس ؟
والصحيح الأول.
وقد كان العمل على ذلك إلى أن جاء رجل من العراق لعمر رضي الله عنه فقال له : أدرك الناس لقد تفشت شهادة الزور. فقال عمر : بتزكية الشهود وإثبات عدالتهم.
وقد أورد ابن فرحون في مراتب الشهود إحدى عشرة مرتبة وهي :
الأولى : الشاهد المبرز في العدالة العالم بما تصح به الشهادة، فتجوز شهادته في كل شيء، وتجريحه ولا يسأل عن كيفية علمه بما شهد به من ذلك كله إذا أبهمه، ولا يقبل فيه التجريح إلا بالعداوة.
الثانية : المبرز في العدالة غير العالم بما تصح به الشهادة، فحكمه كالأول، إلا أنه يسأل عن كيفية علمه بما شهد به إذا أبهم ذلك.
الثالثة : الشاهد المعروف بالعدالة العالم بما تصح به الشهادة، فتجوز شهادته إلا في ستة مواضع على اختلاف في بعضها، وهي التزكية، شهادته لأخيه ولمولاه ولصديقه الملاطف ولشريكه في غير التجارة، وإذا زاد في شهادته أو نقص فيها، ويقبل فيه التجريح بالعداوة وغيرها، ولا يسأل عن كيفية علمه بما شهد به إذا أبهم ذلك.
الرابعة : المعروف بالعدالة غير العالم بما تصح به الشهادة، حكمه كذلك إلا أنه يسأل عن كيفية علمه بما شهد به إذا أبهم ذلك.
الخامسة : الشاهد المعروف بالعدالة إذا قذف قبل أن يحد فاختلف في قبول شهادته، وأجازها ابن القاسم، وهو مذهب مالك.
السادسة : الذي يتوسم فيه العدالة تجوز دون تزكية فيما يقع بين المسافرين في السفر من المعاملات، وفيما عدا ذلك لا بد من تزكيته، لأنه هو المعروف بمجهول الحال.
والصحيح أن مثله لا بد من التحري عنه حتى ينكشف أمره.
السابعة : الذي لا يتوسم فيه العدالة ولا الجرعة فلا تجوز شهادته في موضع من المواضع دون تزكية، إلا أن شهادته تكون شبيهة في بعض المواضع عند بعض العلماء، فتوجب اليمين وتوجب الحميل وتوقيف الشيء على المدعى عليه.
الثامنة : الذي يتوسم فيه الجرحة فلا تجوز شهادته دون تزكية، ولا تكون شهادته شبهة توجب حكماً.
التاسعة : الش
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان