ﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨ

تعرج الملائكة والروح قرأ الكسائي يعرج بالياء على التذكير والباقون بالتاء على التأنيث والجملة صفة للمعارج على طريقة ولقد أمر على اللئيم يسبني والرابط محذوف أي تعرج فيها الملائكة والروح إليه والروح جبرائيل عليه السلام وأفرده لفضله أو أعظم خلق من الملائكة، قلت : ويحتمل أن يكون المراد بالروح روح البشر الذي هو من عالم الأمر فإن أرواح البشر من الأولياء والأنبياء تعرج من خفض البعد والغفلة إلى معارج القرب والحضرة إليه أي إلى الله سبحانه أو إلى عرشه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة الظرف متعلق بمحذوف دل عليه واقع أي يقع العذاب بهم في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة يعني يوم القيامة كذا أخرج البيهقي عن عكرمة عن ابن عباس وقال يمان يوم القيامة فيه خمسين موطنا كل موطن ألف سنة، روى الشيخان في الصحيحين عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاة الكنز إلا أحي عليه في نار جهنم فيجعل صفائح فيكوى بها جنباه وجبينه حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار، وما من صاحب إبل لا يؤدي زكاتها إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر كأوفر ما كانت تستن عليه لا يفقد منها فصيلا واحدا يطأ بأخفافها وتعض بأفواهها كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضي بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار وما من صاحب غنم لا يؤدي زكاتها إلا بطح له بقاع فرقر لا يفقد منها شيئا ليس فيها عقصاء ولا جلحاء ولا غضباء تنطحه بقرونها وتطأه بأظلافها كما مر عليه أولاها رد عليه أخراها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حين يقضي بين العباد فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار )١ وأخرج أحمد وأبو يعلى وابن حبان والبيهقي بسند حسن عن أبي سعيد قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ما أطول هذا اليوم ؟ فقال : والذي نفسي بيده إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أهون من الصلاة المكتوبة يصليها في الدنيا ( قلت : فعلى هذا التأويل لا تصادم بين هذه الآية وبين قوله تعالى في تنزيل السجدة يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون ٢ إذ معناه يحكم الله تعالى بالأمر وينزل به جبرائيل من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه جبرائيل في يوم من أيام الدنيا وكان قدر سيره ألف سنة خمسمائة سنة نزوله وخمسمائة عروجه لأن ما بين السماء والأرض خمسمائة عام يعني لو سار تلك المسافة واحد من بني آدم لم يقطعه إلا في ألف سنة لكن الملائكة يقطعون في يوم واحد بل في أدنى زمان. أخرج البيهقي من طريق أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى : يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون قال : هذا في الدنيا تعرج الملائكة في يوم كان مقدراه ألف سنة وفي قوله تعالى : في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة قال : هذا يوم القيامة جعله الله تعالى على الكافرين مقدار خمسين ألف سنة، وقيل : المراد من الآيتين يوم القيامة يكون على بعضهم أقول وعلى بعضهم أقصر حتى يكون على المؤمنين أهون من الصلاة المكتوبة كما مر، وأخرج الحاكم والبيهقي عن أبي هريرة مرفوعا يكون على المؤمنين كمقدار ما بين الظهر والعصر، ومعنى قوله تعالى : يدبر الأمر من السماء إلى الأرض مدة أيام الدنيا ثم يعرج أي يرجع الأمر والتدبير إليه بعد فناء الدنيا وانقطاع أمر الأمراء وحكم الحكام في يوم كان مقداره ألف سنة، وقيل : الظرف في هذه الآية أعني قوله تعالى في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة متعلق بيعرج كما هو متعلق في سورة التنزيل ووجه الجمع بين الآيتين أن المراد في آية سورة التنزيل أنه يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه من الأرض إلى السماء في يوم وقدر مسيره ألف سنة لأن ما بين السماء والأرض خمسمائة عام فصار نزوله وعروجه ألف سنة والمراد في هذه السورة مدة المسافة من منتهى الأرض السابعة إلى منتهى أعلى السماوات فوق السماء السابعة، قال البغوي روى ليث عن مجاهد أن مقدار هذا خمسين ألف سنة وقال محمد بن إسحاق لو سار ابن آدم من الدنيا إلى موض العرش سيرا طبيعيا له سار خمسين ألف سنة ومن ها هنا قالت الصوفية العلية : إن فناء القلب الذي يحصل للصوفي بالجذب من الله تعالى بتوسط النبي صلى الله عليه وسلم والمشايخ لو أراد واحد أن يحصله بالعبادات والرياضات من غير جذب من الشيخ فإنما يحصل له في زمان كان مقداره خمسين ألف سنة وإذا لم يتصور بقاء أحد بل بقاء الدنيا إلى هذه المدة ظهر أن الوصول إلى الله تعالى من غير جذب منه تعالى بتوسط أحد من المشايخ كما هو المعتاد وبلا توسط روح رجل كما يكون لبعض الآيسين من الأفراد محال والله المستعان.

١ أخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: إثم مانع الزكاة (٩٨٧)..
٢ سورة السجدة، الآية: ٥..

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير