تَعْرُجُ الملائكة والروح إِلَيْهِ أي تصعد في تلك المعارج التي جعلها الله لهم، وقرأ الجمهور : تَعْرِجُ بالفوقية. وقرأ ابن مسعود وأصحابه والكسائي والسلمي بالتحتية، والروح جبريل، أفرد بالذكر بعد الملائكة لشرفه، ويؤيد هذا قوله : نَزَلَ بِهِ الروح الأمين [ الشعراء : ١٩٣ ]، وقيل : الروح هنا ملك آخر عظيم غير جبريل. وقال أبو صالح : إنه خلق من خلق الله سبحانه كهيئة الناس، وليسوا من الناس. وقال قبيصة بن ذؤيب : إنه روح الميت حين تقبض، والأوّل أولى. ومعنى إِلَيْهِ : أي إلى المكان الذي ينتهون إليه. وقيل : إلى عرشه. وقيل : هو كقول إبراهيم : إِنّي ذَاهِبٌ إلى رَبّى [ الصافات : ٩٩ ] أي إلى حيث أمرني ربي فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ قال ابن إسحاق والكلبي ووهب بن منبه : أي عرج الملائكة إلى المكان الذي هو محلها في وقت كان مقداره على غيرهم لو صعد خمسين ألف سنة، وبه قال مجاهد. وقال عكرمة : وروي عن مجاهد أن مدة عمر الدنيا هذا المقدار لا يدري أحدٌ كم مضى، ولا كم بقي، ولا يعلم ذلك إلاّ الله. وقال قتادة والكلبي ومحمد بن كعب : إن المراد يوم القيامة، يعني : أن مقدار الأمر فيه لو تولاه غيره سبحانه خمسون ألف سنة، وهو سبحانه يفرغ منه في ساعة، وقيل : إن مدّة موقف العباد للحساب هي هذا المقدار، ثم يستقرّ بعد ذلك أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار. وقيل : إن مقدار يوم القيامة على الكافرين خمسون ألف سنة، وعلى المؤمنين مقدار ما بين الظهر والعصر، وقيل : ذكر هذا المقدار لمجرد التمثيل والتخييل لغاية ارتفاع تلك المعارج وبعد مداها، أو لطول يوم القيامة باعتبار ما فيه من الشدائد والمكاره، كما تصف العرب أيام الشدّة بالطول وأيام الفرح بالقصر، ويشبهون اليوم القصير بإبهام القطاة والطويل بظل الرمح، ومنه قول الشاعر :
| ويوم كظل الرمح قصر طوله | دم الزق عنا واصطفاف المزاهر |
وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً قال : غلظ كل أرض خمسمائة عام، وغلظ كل سماء خمسمائة عام، وبين كل أرض إلى أرض خمسمائة عام، ومن السماء إلى السماء خمسمائة عام، فذلك أربعة عشر ألف عام، وبين السماء السابعة وبين العرش مسيرة ستة وثلاثين ألف عام، فذلك قوله : فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ . وأخرج ابن جرير وابن المنذر والبيهقي في البعث عنه أيضاً في قوله : فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مّمَّا تَعُدُّونَ قال : هذا في الدنيا تعرج الملائكة في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدّون، وفي قوله : فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ فهذا يوم القيامة جعله الله على الكافر مقدار خمسين ألف سنة. وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي عنه أيضاً في قوله : فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ قال : لو قدّرتموه لكان خمسين ألف سنة من أيامكم. قال : يعني يوم القيامة. وقد قدّمنا عن ابن عباس الوقف في الجمع بين الآيتين في سورة السجدة.
وأخرج أحمد وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث عن أبي سعيد الخدري قال :«قيل يا رسول الله يوم كان يوم مقداره خمسين ألف سنة ما أطول هذا اليوم ؟ فقال : والذي نفسي بيده إنه ليخفف عن المؤمن حتى يكون أهون عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا». وفي إسناده دراج عن أبي الهيثم، وهما ضعيفان. وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي في البعث عن أبي هريرة مرفوعاً قال : ما قدر طول يوم القيامة على المؤمنين إلاّ كقدر ما بين الظهر إلى العصر. وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن ابن عباس في قوله : فاصبر صَبْراً جَمِيلاً قال : لا تشكو إلى أحد غيري. وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن المنذر والخطيب في المتفق والمفترق والضياء في المختارة عن ابن عباس في قوله : يَوْمَ تَكُونُ السماء كالمهل قال : كدرديّ الزيت. وأخرج ابن جرير عنه قال : يُبَصَّرُونَهُمْ يعرف بعضهم بعضاً ويتعارفون، ثم يفرّ بعضهم من بعض. وأخرج ابن جرير عنه أيضاً في قوله : نَزَّاعَةً للشّوى قال : تنزع أمّ الرأس.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني