ولما كان الرسل عليهم السلام لا يقولون ولا يفعلون إلا ما كان فيه مصلحة الدين علل دعاءه بقوله : إنك أي : يا رب إن تذرهم أي : تتركهم على أيّ حالة كانت في إبقائهم سالمين على وجه الأرض ولو كانت حالة دنيئة يضلوا عبادك أي : الذين آمنوا بك وبي والذين يولدون على الفطرة السليمة ولا يلدوا أي : إن قدرت بقاءهم إلا فاجراً أي : مارقاً عن كل ما ينبغي الاعتصام به كفاراً أي : بليغ الستر لما يجب إظهاره من آيات الله.
فإن قيل : بم علم أنّ أولادهم يكفرون وكيف وصفهم بالكفر عند الولادة ؟ أجيب : بأنه لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً فعرف طباعهم وأحوالهم، وكان الرجل ينطلق بابنه إليه ويقول : احذر من هذا فإنه كذاب، وإنّ أبي حذرنيه، فيموت الكبير وينشأ الصغير على ذلك، وقد أخبر الله تعالى : أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن [ هود : ٣٦ ]. ومعنى : ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً : لم يلدوا إلا من سيفجر ويكفر فوصفهم بما يصيرون إليه كقوله صلى الله عليه وسلم :«من قتل قتيلاً فله سلبه ».
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني