اليوم المذكور الذي سيقع فيه الأحوال الهائلة وهو مبتدأ خبره قوله الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ اى يوعدونه فى الدنيا على ألسنة الرسل وهم يكذبون به فاندفع توهم التكرار لان الوعد الاول محمول على الآنى والاستمراري كما مر وهذا الوعد محمول على الماضي بدلالة لفظ كان وفى الذلة اشارة الى ذلة الأنانية فانهم يوم يخرجون من الأجداث يسارعون الى صور تناسب هيئاتهم الباطنة فيكون أهل الأنانية فى أنكر الصور بحيث يقع المسخ على ظاهرهم وباطنهم كما وقع لا بليس بقوله أنا خير منه فكما ان إبليس طرد من مقام القرب ورهقته ذلة البعد فكذا من فى حكمه من الانس ولذا كان السلف يبكون دما من الأخلاق السيئة لا سيما ما يشعر بالانانية من آثار التعيين فان التوحيد الحقيقي هو أن يصير العبد فانيا عن نفسه باقيا بربه فاذا لم يحصل هذا فقد بقي فيه بقية من الناسوتية وكل اناء يرشح بما فيه فطوبى لمن ترشح منه الحق لا النفس والله أسأل أن يكرمنى به وإياكم تمت سورة المعارج بعون خالق الداخل والخارج فى العاشر من شوال سنة ست عشرة ومائة الف
سورة نوح
مكية وآيها سبع او ثمان وعشرون بسم الله الرحمن الرحيم
إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ مر سر نون العظمة مرارا والإرسال يقابل بالإمساك يكون للتسخير كارسال الريح والمطر ببعث من له اختيار نحو إرسال الرسل وبالتخلية وترك المنع نحو انا أرسلنا الشياطين على الكافرين قال قتادة أرسل نوح من جزيرة فذهب إليهم ونوح اسمه عبد الغفار عليه السلام سمى نوحا لكثرة نوحه على نفسه او هو سريانى معناه الساكن لان الأرض طهرت من خبث الكفار وسكنت اليه وهو أول من اوتى الشريعة فى قول وأول اولى العزم من الرسل على قول الأكثرين وأول نذير على الشرك وكان قومه يعبدون الأصنام وأول من عذبت أمته وهو شيخ المرسلين بعث ابن أربعين سنة او ثلاثمائة وخمسين او اربعمائة وثمانين ولبث فيهم ألف سنة الا خمسين عاما وعاش بعد الطوفان تسعين سنة قال بعض من تصدى للتفسير فيه دلالة على انه لم يرسل الى اهل الأرض كلهم لانه تعالى قال الى قومه فلو أرسل الى الكل لقيل الى الخلق او ما يشابهه كما قيل لرسول الله وما أرسلناك الا كافة للناس ولقول رسول الله كان النبي يبعث الى قومه خاصة وبعثت الى الناس عامة ثم قال ان قيل فيما جريمة غير قومه حتى عممهم فى الدعاء عليهم كما قال لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا فانه إذا لم يرسل إليهم لم يكن كلهم مخالفا لامره وعاصيا له حتى يستحقوا الدعاء بالإهلاك أجيب بأنه يحتمل انه تحقق ان نفوس كفرة زمانه على سجية واحدة يستحقون بذلك أن يدعى عليهم بالإهلاك ايضا انتهى وفنه نظر لانه قال فى انسان العيون فى قوله عليه السلام وكان كل نبى انما يرسل الى قومه اى جميع اهل زمنه او جماعة منهم خاصة ومن الاول نوح عليه السلام فانه كان مرسلا لجميع من كان فى زمنه من أهل الأرض ولما أخبر بأنه لا يؤمن منهم الا من آمن معه وهم اهل السفينة وكانوا ثمانين أربعين رجلا وأربعين امرأة او كانوا
بالمحبة للكمال والجمال. يقول الفقير الظاهر ان الانذار أول الأمر كما قال تعالى لنبينا عليه السلام قم فأنذر والتبشير ثانى الأمر كما قال تعالى وبشر المؤمنين فالانذار يتعلق بالكافرين والتبشير بالمؤمنين وان أمكن تبشير الكفار بشرط الايمان لا فى حال الكفر فانهم فى حال الكفر انما يستحقون التبشير التهكمى كما قال تعالى فبشرهم بعذاب أليم مُبِينٌ موضح لحقيقة الأمر بلغة تعرفونها او بين الانذار أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ متعلق بنذير اى بأن اعبدوا الله والأمر بالعبادة يتناول جميع الواجبات والمندوبات من افعال القلوب والجوارح وَاتَّقُوهُ يتناول الزجر عن جميع المحظورات والمكروهات وَأَطِيعُونِ يتناول أمرهم بطاعته فى جميع المأمورات والمنهيات والاعتقاديات والعمليات وفى التأويلات النجمية اى فى اخلاقى وصفاتى وأفعالي وأعمالي وأقوالي وأحوالي انتهى وهذا وان كان داخلا فى الأمر بعبادة الله وتقواه الا انه خصه بالذكر تأكيدا فى ذلك التكليف ومبالغة فى تقريره قال بعضهم أصله وأطيعوني بالياء ولم يقل وأطيعوه بالهاء مع مناسبته لما قبله يعنى أسند الا طاعة الى نفسه لما ان إطاعة الرسول إطاعة الله كما قال تعالى من بطع الرسول فقد أطاع الله وقال تعالى وأطيعوا الرسول فاذا كانوا مأمورين باطاعة الرسول فكان للرسول ان يقول وأطيعون وايضا ان الاجابة كانت تقع له فى الظاهر يَغْفِرْ لَكُمْ جواب الأمر مِنْ ذُنُوبِكُمْ اى بعض ذنوبكم وهو ما سلف فى الجاهلية فان الإسلام يجب ما قبله لا ما تأخر عن الإسلام فانه يؤاخذ به ولا يكون مغفورا بسبب الايمان ولذلك لم يقل يغفر لكم ذنوبكم بطى من التبعيضية فانه يعم مغفرة جميع الذنوب ما تقدم منها وما تأخر وقيل المراد ببعض الذنوب بعض ما سبق على الايمان وهو ما لا يتعلق بحقوق العباد وَيُؤَخِّرْكُمْ بالحفظ من العقوبات المهلكة كالقتل والإغراق والإحراق ونحوها من اسباب الهلاك والاستئصال وكان اعتقادهم ان من أهلك بسبب من هذه الأسباب لم يمت بأجله فخاطبهم على المعقول عندهم فليس يريد أن الايمان يزيد فى آجالهم كذا فى بعض التفاسير إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى معين مقدر عند الله والاجل المدة المضروبة للشئ قال فى الإرشاد وهو الأمد الأقصى الذي قدره الله لهم بشرط الايمان والطاعة صريح فى ان لهم أجلا آخر لا يجاوزونه ان لم يؤمنوا به وهو المراد بقوله تعالى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ وهو ما قدر لكم على تقدير بقائكم على الكفر وهو الاجل القريب المطلق الغير المبرم بخلاف الاجل المسمى فانه البعيد المبرم وأضيف الاجل هنا الى الله لانه المقدر والخالق أسبابه وأسند الى العباد فى قوله إذا جاء أجلهم لانهم المبتلون المصابون إِذا جاءَ وأنتم على ما أنتم عليه من الكفر لا يُؤَخَّرُ فبادروا الى الايمان والطاعة قبل مجيئه حتى لا يتحققى شرطه الذي هو بقاؤكم على الكفر فلا يجيئ ويتحقق شرط التأخير الى الاجل المسمى فتؤخروا اليه فالمحكوم عليه بالتأخير هو الاجل المشروط بشرط الايمان والمحكوم عليه بامتناعه هو الاجل المشروط بشرط البقاء على الكفر فلا تناقض لانعدام وحدة الشرط ويجوز أن يراد به وقت إتيان العذاب المذكور فى قوله تعالى من قبل ان يأتيهم عذاب أليم فانه أجل موقت له حتما لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ شيأ
صفحة رقم 173روح البيان
إسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي الحنفي الخلوتي , المولى أبو الفداء