وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا ١٥ توقد بهم جهنم كما توقد النار بالحطب وهذه الجمل السبعة من قوله تعالى : وأنا لمسنا السماء إلى قوله : وأنا منا المسلمون فمن أسلم الخ لا شك أنها من كلام الجن فلا غبار على قراءة إنا بالكسر وأما على قراءة الفتح فلا بد ارتكاب تكلف بأن يقال إنها معطوفة بهاء به في آمنا به والمعنى آمنا بالقرآن ويتبعنا بمعجزاته في الآفاق من أن لمسنا السماء الآية وأنا كنا نقعد منها مقاعد الآية وأنا لا ندري ما أراد الله بالشهب حتى سمعناه وبمعجزاته تأثيراته في الأنفس وأنا كنا منا الصالحون ومنا دون ذلك ولأن تيقنا أن لن نعجز الله وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به وتيقنا أن المسلمين منا تحروا رشدا وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا والله تعالى أعلم بمراده ولا يتصور عطف هذه الجمل السبعة على أنه استمع نفر من الجن كما لا يخفى.
مسألة : اتفقت الأئمة على أن الكفار من الجن يعذبون بالنار كما يدل عليه قوله تعالى : وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا ١٥ واختلفوا في ثواب المؤمنين منهم ؟ فقال قوم : ليس لهم ثواب إلا نجاتهم من النار وتأولوا قوله تعالى : يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم ٣١ ١ قال البغوي وإليه ذهب أبو حنيفة وحكى سفيان عن ليث قال : الجن ثوابهم أن يجاروا من النار ثم يقال لهم كونوا ترابا مثل بهائم، وعن أبي الزياد قال : إذا قضى بين الناس قيل لمؤمنين الجن عودوا ترابا فيعودون ترابا وعند ذلك يقول الكافر يا ليتني كنت ترابا وقيل : مذهب أبي حنيفة فيه التوقف لقوله عليه السلام :( أبهموا ما أبهم الله )٢ وقد ذكر الله تعالى عذاب الكفار منهم ولم يذكر ثواب المطيعين منهم إلا المقر والجوار من النار، وقال الآخرون يكون لهم ثواب في الإحسان كما يكون لهم عذاب في الإساءة كالإنس وإليه ذهب مالك وابن أبي ليلى وقال جرير عن الضحاك الجن يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون، أخرج أبو الشيخ وذكر النقاش في تفسيره حديثا أنهم يدخلون الجنة فقيل له هل يصيبون من نعمها ؟ قال : يلهمهم الله تسبيحه وذكره فيصيبون من لذاته ما يصيبون بنو آدم من نعيم الجنة، قلت : كأنه ألحق المؤمنين من الجن بالملائكة وقال الطاءة ابن المنذر سألت حمزة بن حبيب هل للجن ثواب قال نعم وقرأ : لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان ٣ قال : فلأنسيات للإنس والجنيات للجن، أخرجه أبو الشيخ من طريق الضحاك عن ابن عباس قال : الخلق باركة فخلق في الجنة كلهم وهم الملائكة وخلق في النار كلهم وهم الشيطان وخلقان في الجنة والنار وهم الجن والإنس لهم العذاب والثواب، وأخرجه عن ابن وهب أنه سئل هل للجن ثواب وعقاب ؟ قال : نعم قال الله تعالى : أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين ولكل درجات مما عملوا ٤ وقال عمرو بن عبد العزيز إن مؤمن الجن حول الجنة في ربض ورحاب وليسوا فيها. احتج القائلون بثواب الجن بالعمومات إن الذين آمنوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا ١٠٧ ٥ ونحو ذلك بالخطابات الواردة في سورة الرحمان حيث قال الله تعالى : ولمن خاف مقام ربه جنتان ٤٦ فبأي آلاء ربكما تكذبان ٤٧ ٦ حور مقصورات في الخيام ٧٢ فبأي آلاء ربكما تكذبان ٧٣ ٧ قالت الحنفية في الجواب إن العمومات محولة على الإنس بدلالة العرف فإن أهل العرف لا يفهمون منه إلا الإنس وأما الخطابات في سورة الرحمان بقوله : فبأي آلاء ربكما تكذبان ١٣ توبيخ للجن وللإنس على مطلق التكذيب بآلاء الله سبحانه لإيما ذكر قبل تلك الآية خاصة كيف وذلك لا يتصور في مثل قوله تعالى : يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران ٣٥ فبأي آلاء ربكما تكذبان ٣٦ يعرف المجرمون بيسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام ٤١ فبأي آلاء ربكما تكذبان ٤٢ ٨ ونحو ذلك وقد ذكر من الآلاء ما هي مختصة بالإنس دون الجن حيث قال : وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام ٢٤ فبأي آلاء ربكما تكذبان ٢٥ ٩ فيحتمل أن يكون نعيم الجنة مختصة بالإنس خوطب الثقلين بها توبيخا على تكذيب الطائفتين مطلق الآلاء، والصحيح عندي ما قاله الجمهور وبه قال أبو يوسف محمد رحمهما الله تعالى قال : من أثبت الثواب فقوله مبني على دليل وشهادة على الإثبات فيقبل بخلاف قول أبي حنيفة فإنه متوقف بناء على عدم بدليل فلا شك أن قول ابن عباس وأقوال عمر بن عبد العزيز ونحوه من ثقات الصحابة والتابعين لها حكم الرفع، وقد أخرج البيهقي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعا ( إن مؤمني الجن لهم ثواب وعليهم عقاب فسألنا عن ثوابهم وعن مؤمنهن فقال : على الأعراف وليسوا في الجنة فسألنا وما عقاب فسألنا وما الأعراف ؟ قال : خارج الجنة تجري فيه الأنهار وتنبت فيها الأشجار والأثمار ) والله تعالى أعلم.
٢ ذكر ابن الأثير أنه قول لابن عباس.
انظر: النهاية في غريب الحديث حرف الباء / باب الباء مع الهاء..
٣ سورة الرحمان، الآية: ٥٦..
٤ سورة الأحقاف، الآية: ١٨ -١٩..
٥ سورة الكهف، الآية: ١٠٧..
٦ سورة الرحمان، الآية: ٤٦ -٤٧..
٧ سورة الرحمان، الآية: ٧٢ -٧٥..
٨ سورة الرحمان، الآية: ٤١ – ٤٢..
٩ سورة الرحمان، الآية: ٢٤ -٢٥..
التفسير المظهري
المظهري