ﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛ

ثم ذكر وبال مَن ردّ الرسالة، فقال :
. . . وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً حَتَّى إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّيا أَمَداً عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُواْ رِسَالاَتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً .
إلا بلاغاً من الله ، استثناء من لا أملك أي : لا أملك لكم شيئاً إلا تبليغ الرسالة، و قل إني لن يجيرني : اعتراض لتأكيد نفي الاستطاعة عن نفسه، وبيان عجزه، وقيل : بلاغاً : بدل من ملتحداً ، أي : لن أجد من دونه ملجأ إلاّ أن أُبلّغ عنه ما أرسلني به، أي : لا ينجيني إلاَّ أن أُبلغ عن الله ما أُرسلت به فإنه ينجيني، وقوله : ورسالاته : عطف على " بلاغاً "، كأنه قيل : لا أملك لكم إلا التبليغ والرسالات، أي : إلاّ أن أُبلغ عن الله، فأقول قال الله كذا، ناسباً قوله إليه، وأن أُبلّغ رسالاته التي أرسلني بها، بلا زيادة ولا نقصان و( مِن ) ليست صلة للتبليغ، إنما هي بمنزلة ( مِن ) في قوله : بَرَاءَةٌ مِّنَ اللهِ [ التوبة : ١ ] أي : بلاغاً كائناً من الله وتبليغ رسالاته، قاله النسفي. والله تعالى أعلم.
يقول الحق جلّ جلاله : ومَن يعص اللهَ ورسولَه في رد رسالته، وعدم قبول ما جاء به الرسول، فإِنَّ له نارَ جهنمَ ، وقُرئ بفتح الهمزة، أي : فحقه، أو فجزاؤه أنّ له نار جهنم، خالدين فيها أي : في النار أبداً ، وحّد في قوله " له " وجمع في " خالدين " للفظ ( من ) ومعناه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : وأنَّ مساجد الحضرة لله، والحضرة : شهود الذات الأقدس وحدها، فلا تدعوا مع الله أحداً، أي : لا تَروا معه غيره، فتخرجوا من حضرته، وأنه لمّا قام عبدُ الله، وهو الداعي إلى الله في كل زمان يدعوه، ويدعو إليه، كادوا يكونون عليه لِبداً، إمّا متعجبين منه، أو مقتبسين من أنواره، قال : إنما أدعو ربي ولا أُشرك به شيئاً، قل يا أيها الداعي لتلك اللبد، لا أملك لكم من الله غيًّا ولا رشداً، إلاَّ بلاغاً، أي إنذاراً وتبليغ ما كُلفت به، فإنما أنا أدعو، والله يهدي على يدي مَن يشاء إلى صراط مستقيم، قل يا أيها الداعي : إني لن يُجيرني من الله أحد إن قَصّرت في الدعوة أو أسأت الأدب، ولن أجد من دونه ملتجأ. وبالله التوفيق.



جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : ومَن يعص اللهَ ورسولَه، أو خليفته الداعي إلى الله بطريق التربية النبوية، فإنَّ له نار القطيعة، خالدين فيها أبداً، وقد كانوا في حال حياتهم يستظهرون عليه بالدعاوى الفارغة، وكثرة الأتباع، حتى إذا رأوا ما يُوعدون من أمارات الموت، فسيعلمون مَن أضعف ناصراً وأقل عدداً، قل : إن أدري أقريب ما تُوعدون من الموت، أم يجعل له ربي أمداً، ولا بد أن ينتهي، ويقع الرحيل إلى دار تنكشف فيها السرائر، ويُفضح فيها الموعود. عالم الغيب، أي : يعلم ما غاب عن الحس من أسرار ذاته وأنوار ملكوته، أي : يعلم أسرار المعاني القائمة بالأواني، فلا يظهر على غيبه أحداً، أي : لا يكشف عن أسرار ذاته في دار الدنيا إلاّ لمَن ارتضى من رسول، أو نائبه، وهو العارف الحقيقي، فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رَصَداً، أي : يحفظه من جميع القواطع، من كل جهاته، حتى يوصله إلى حضرة أسرار ذاته، ليظهر أن قد أبلغوا رسالات ربهم، ودعوا الناس إلى معرفة ذاته، وقد أحاط تعالى بكل شيء علماً، وأحصى كل شيء عدداً. وبالله التوفيق، وصلّى الله على سيدنا محمد وآله.

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير